|
Written by Administrator
|
|
Thursday, 02 April 2009 17:55 |
|
النوبة ملوكا وشعبا القمص فيلو ثاوس فرج الجزء الثاني عشر 87. فرنسا وإيطاليا ينقذون آثار النوبة إنقاذ الآثار: عندما نادى السودان بإنقاذ آثار النوبة قبل أن تغرق تحت ماء النيل بعد السد العالى.. لبى النداء دول من العالم وصلت إلى سبعة عشر دولة.. وبعثات تنقيب إلى إثنين وعشرين بعثة.. وكانت الإكتشافات مذهلة جداً.. ذهب وحديد..لوحات وأيقونات.. معابد وكنائس.. آوانى من فخار.. أنفاق تحت الأرض..حصون حصينة..حيث لم يدركها فساد البكتيريا.. رسومات على الحوائط.. نقش على صخور المعابد.. معابد ضخمة وكبيرة.. إستعدادات لنقل المياه للمدن عند الشدة.. طوب أحمر.. طوب من اللبن كبير الحجم.. ملك يسجد أمام إله.. وإله يضع يده على كتف الملك.. رسوم لملك كوش فى أنف مفطس ، وشفتين غليظتين ، وتاج مخروطى.. ملوك فى حماية الكنيسة.. ملكات حكمن السودان لكى يؤكدوا حضارة أهل كوش التى وصلت فيها المرأة إلى سدة العرش الملكى.. مقابر قد قدت من صخر.. أو حفرت فى الصخر.. كنوز كانت تحت كثبان الرمال.. ولولا السد العالى لِما حدث كل هذا الزخم الهائل من ماضينا المجيد.. وهذه بعض بعثات التنقيب التى لم نتحدث عنها :-1. فرنسا.. شاركت مع الأرجنتين .. ثم عملت بمفردها فى موقع " ميرقيسا" على الضفة الغربية للنيل قبالة الشلال الثانى .. وأكتشفت حصن ميرقيسا العتيق ، والذى كان يهدف لحماية الطرق التجارية والنهرية والبرية.. وكان الحصن كبيراً أكبر من حصن بوهين ، وله فتحات يطلق المحاربون منها أسلحتهم.. ووجدوا مساكن جيدة وخزفيات بالغة الجمال على بعضها نقوش هيروغليفية وتماثيل صغيرة ، وأسلحة وأدوات للزينة.. وقناة فرعية لسحب القوارب إلى عمق المياه فى النهر ، وعلى السطح الطينى للقناة آثار أقدام البحارة ، وآثار أقدام كلابهم ظاهرة بوضوح.. ويرى رئيس بعثة فرنسا إن ميرقيسا هو حصن " إكين " المفقود..2. قامت بلاد السويد والنرويج والدنمارك وفنلندة فى بعثة واحدة ضمت هذه الدول الإسكندنافية ، وقامت بتوثيق مقبرة دبيرة.. ثم أجرت حفريات 364 موقعاً و1290 قبراً ، وعثرت على المئات من القطع الآثرية ، قبعة من ذهب.. وأدوات من مرمر ونحاس وفخار.. وجثمان إمرأة يرجع إلى القرن الرابع الميلادى بحالة جيدة للغاية.. ومجموعة من سلال مصنوعة من النخيل.. ومقبرة لمطران نوبى كان يظن أهل وادى حلفا إنها تحوى أحد صحابة الرسول الكريم.. وجاءت الأميرة مارجريت إلى وادى حلفا.. وقضت اكثر من شهر مع أعضاء بعثة بلدها.. وعاشت فى بساطة شديدة مثل أهل المنطقة.. ورفضت قصر الضيافة ، وسكنت فى بيت عادى.. ورفضت السجاد والتحف وفرشت أرض مسكنها بغطاء من سعف النخيل..3. إيطاليا: وقامت إيطاليا وطن الكنائس والكاتدرائيات بالتنقيب فى الكنيسة القديمة ، بمنطقة سونكى التى تبعد مائة وعشر كيلومترات إلى الجنوب من وادى حلفا عند حدود بحيرة السد العالى.. وعثر فى الكنيسة على لوحات جدارية بحالة جيدة ، مثل تلك التى وجدت فى فرص.. وتم كشط اللوحات ، ونقلت إلى المتحف القومى بالخرطوم ، كما عثرت البعثة على كتابات كثيرة باللهجة النوبية على جدران الكنيسة.. ومعروف إن اللغة النوبية كانت تكتب بالحروف القبطية ، كما إن هناك كلمات كثيرة قبطية تستعمل فى اللغة النوبية .. من واقع العلاقة بين كنيسة النوبة وكنيسة الإسكندرية.. وكانت الآخيرة ترسم الأساقفة وتوجه روحياً خلال مدة طويلة ، ولكن عندما قهرت كنيسة الإسكندرية من الحكام المستبدين ، لم تتمكن من ممارسة نشاطها وخدمتها حيال كنيسة النوبة.. وهناك بعثة إيطالية أخرى قامت متعاونة مع جامعة " بيزا" ولمدة عشر سنوات ، فى حفريات معبد صلب ، ومقبرتها.. وكان التصريح الذى أعطى للبعثة الآخرى ذا طبيعة خاصة وخارج إطار برنامج حفريات اليونسكو..4. قامت بعثات جامعة جنيف بحفريات فى منطقة " أكمة وعكاشة ".. وإمتدت حفرياتها إلى سلسلة من المقابر يعود تاريخها لعصور متعددة..وشملت الحفريات بعض المستوطنات المسيحية والكنائس.. والتى كان يزخر بها المكان..5. أما بعثة جامعة " كنتكى " فقد عملت فى جزيرة " كلوبنارتى" تحت قيادة خبير اليونسكو بروفسور آدمز.. وعثرت هذه البعثة على كنيسة عتيقة على جدرانها رسومات بحالة جيدة ثم كشطها وإرسالهاإلى روما لمعالجتها قبل أن تعرض فى متحف الخرطوم..6. فى منزل السيد حسن دفع الله مفوض التهجير ، ومؤلف كتاب " هجرة النوبيين " والذى لم يرى كتابه لأنه غادر العالم قبل طباعته.. فقد كان فى منزله وعلى درج حديقته تاجان لعمودين آثريين ، يعود تاريخهما للعهد المسيحى ، وكان أحد الحكام البريطانيين قد زين بهما درج الحديقة.. وأيضا مدفعين منصوبين عند بوابة المنزل.. وقد قام دكتور نجم الدين محمد شريف ، مدير مصلحة الآثار التى كانت تتبع وزارة التعليم العالى بنقل تاجى الأعمدة إلى الخرطوم.. وإعتذر عن نقل المدفعين لفرصة أخرى.. وهكذا إزدان متحف السودان القومى بكل هذا الكم الهائل من الآثار التى تعود أغلبها إلى العصر المسيحى ، عندما كان السودان مسيحياً فى إجتماع الحاكم والمحكوم .. وفى رعاية روحية من كنيسة الإسكندرية.. 88. الأهرامات والخلود فى حضارة السودان حقيقة الخلود: إن الخلود هو حقيقة من الحقائق الروحية التى يؤمن بها الإنسان منذ أقدم الآزمان.. وفى تاريخ الأديان فى كل مكان ، هناك أعمق الإيمان بحقيقة الخلود.. ونقطة البداية هى علاقة الإنسان بالله ، فلقد خلق الإنسان على صورة الله ومثاله ، فهو خالد يستمد خلوده من خلود الله.. فالإنسان حياته ليست قاصرة على هذه الأرض ، إنما هى حياة تتخطى حاجز الزمن وتحمل ضمان الخلود من خلال طاعة الله.. والخلود هو حياة أبدية لا تنتهى ، وفى هذا تحدث سفر الجامعة ، السفر الذى هد فى كل الدنيويات.. ورأى إنه باطل الأباطيل الكل باطل .. يقول : إن الله صنع الكل حسناً فى وقته ، وأيضا جعل الأبدية فى قلبهم التى بلاها لا يدرك الإنسان العمل الذى يعمله الله من البداية إلى النهاية (جامعة 11:3).. والمعنى هنا إن الأبدية موجودة فى كيان الإنسان.. وإن الأبدية نور به تتعرف على أعمال الله.. والأبدية ليست خلود للروح فقط ، إنما للروح والجسد.. إنها حياة اخرى.. وكان أيوب عندما تساءل : إن مات رجل أفيحيا؟.. إنما يؤكد إنه كان فى ذهنه عودة كاملة للحياة للإنسان ككل.. ولهذا يقول : أما أنا فقد علمت إن ولىّ حى.. والله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، ليس إله أموات بل إله أحياء (متى 32:22).. ورجاء الخلود يملأ قلب الإنسان المؤمن ، وحتى غير المؤمن.. وتمتلىء مزامير داؤد بالأمل فى الخلود.. لذلك فرح قلبى وإبتهجت روحى.. جسدى أيضاً يسكن مطمئناً لأنك لن تترك نفسى فى الهاوية.. لن تدع تقيك يرى فساداً(مز 16) أما أنا فبالبر أنظر وجهك.. أشبع إذا إستيقظت بشبهك (مزمور 5:17).. إنما الله يفدى نفسى من يد الهاوية لأنه يأخذنى.. برأيك تهدينى ، وبعد إلى مجد تأخذنى ، من لى فى السماء ومعك لا أريد شيئاً على الأرض.. أما هوشع فيقول: يحيينا بعد يومين.. فى اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه (هوشع 2:6).. ويُعد الخلود حقيقة تذخر بها كل الأديان.. والقرآن الكريم يؤكد إن الآخرة هى دار القرار..( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ).. ويطالب الناس إن وعد الله حق ، ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ).. لأنها لعب ولهو.. ومتاع للغرور.. والإنسان البار خالد فى الجنة.. والإنسان الشرير خالد فى العذاب ، عذاب النار التى لا تطفأ.. ولكن للذين إتقوا عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا.. ومن الطريف إن كلمة خلود ذكرت مرة واحدة فى الإنجيل المقدس ، هى أنار الحياة والخلود (تيموثاوس الثانية 1: 10) وتتحدث عن السيد المسيح الذى بظهوره أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل.. وذكرت كلمة الخلود أيضا مرة واحدة فى القرآن الكريم..( أدخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ).. وحضارتنا فى السودان هى حضارة الخلود.. وقبل الأديان التوحدية آمن أجدادنا من أبناء كوش بالخلود ، وبنوا الإهرامات لكى يناموا فيها فى إنتظار يوم القيامة ، يوم الخلود عندما يدخلون إلى الأبدية التى هى حياة الخلود..حضارة مروى: وفى حضارة مروى العدد الكبير من الإهرامات التى بنيت والتى تدل على وجود الخلود حقيقة فى كيان الآباء والأجداد.. ولقد عثر على مائة وأربعين هرماً على بعد أربعة كيلومترات من المدينة الملكية ، وتعرف بالإهرامات الشمالية والجنوبية الغربية.. وهى تمثل بداية الدفن بالنسبة لملوك وملكات مروى بعد إنتقال العاصمة من نبتة إلى البجراوية .. وبدأت فكرة بناء الهرم بإنشاء مصطبة فوق القبر وبعد ذلك تطور بناء الهرم.. والبداية كانت من الأسرة الخامسة والعشرين التى أسسها الملك السودانى تهراقا ، الذى ذكر فى سفر أشعياء (690-664 ق.م.. وهذه الإهرامات التى تركها لنا الأجداد تراثاً خالداً كانت إهرامات مكتملة ، بها قمم من ذهب ، وبها معابد جنائزية عليها رسومات ونقوشات جدارية تصور الحياة الدينية المروية والتطور السياسى.. وفيها تأكيد لإهتمام حضارة مروى بالطرق التقليدية للدفن والتى كانت ذات طراز معين ومحدد فى البناء ، والتى حددها عالم الآثار صلاح عمر الصادق فى كتابه " المرشد لآثار مملكة مروى " بالخطوات التالية:-1. يتم قطع مدرجات أولاً، وفى العادة يتم قطع غرفتين فى حالة دفن الملكات، وثلاث غرف فى حالة دفن الملوك.. ويتم حفرها فى الأرض بموجب عدة معايير ، ويتم إختيار الموقع وتنفيذ العمل أثناء حياة صاحب المقبرة ، وتكون المقبرة شرق غرب ، ومنحدرة فى إتجاه الشرق.. وهذا يدل على قدم الإهتمام بجهة الشرق.. والآن تبنى الكنيسة القبطية متجهة نحو الشرق.. ويدفن الميت ووجهه نحو الشرق ، وذلك فى إنتظار المجىء الثانى للسيد المسيح الذى سيكون من المشارق..2. بعد إتمام عملية الدفن ، يغلق المدخل إلى الغرف الجنائزية ، وتملأ المدرجات بالرمال والمخلفات الأخرى..3. يقوم خليفة المتوفى بتشييد البناء الفوقى ، والذى يتم عادة على تسلسل هو هرم.. غرفة قرابين ببوابة ضخمة على هيئة غرفة جنائزية صغيرة ، ملتحمة مع الهرم من الجهة الشرقية .. وأحياناً يضاف رواق يكون من عمودين إلى ستة أعمدة ثم الحائط.. يفضل أن يكون الهرم فوق غرفة الدفن مباشرة.. وتتكون تركيبة الإهرامات المروية من صف أو صفين من كتل الحجر الرملى أو من حائط خارجى مبنى من الطوب أو كسارة الحجارة المغروسة فى الطين.. بعد التشييد يملأ الفراغ بين الحيطان بالحجارة والطين.. وكانت الحجارة ترفع بالشادوف ويتوج سطح الهرم بحجر منحوت ومزين.. وكان حائط الهرم يشتمل على رسومات تحمل ذكرى تاريخ الملك المدفون .. فقد وجد فوق الهرم رقم 6 رسماً منقوشاً للملكة أمانى شختى فى شكل قيادى ، وفى يدها حربة مسلطة على مجموعة من الأسرى قد ربطت معاً.. وتبدو الملكة عملاقة ، بينما الأسرى كأنهم أقزام.. ووجد فى هرمها سوار من ذهب مُطعم بالأحجار الكريمة وقلادتان جميلتان من ذهب منقوشتان بأجمل النقوش.. وهذا تأكيداً لإيمان أجدادنا بالخلود.. 89.جنود نوبيون فى الجيش الطولونى الجندى النوبى: عرف أهل النوبة بالقوة وسرعة الحركة ، أجسادهم خفيفة ، وعندما يسرعون الخطى كأنهم يطيرون ، ومنذ أيام الفراعنة كانت هناك قناعة بقوة الجندى السودانى.. وعندما سمع الملك حزقيا بأن ترهاقة ملك كوش قد خرج لمحاربته خاف جداً إقتناعاً منه بقوةجنود كوش.. ولبس الملك حزقيا مسوحاً بعد أن مزق ثيابه ودخل بيت الرب لكى يستدر المراحم الإلهية (أشعياء 37).. وكان هذا فى عام 715 ق.م.. بل إن جيش أبناء يعقوب كان به عدد من جنود النوبة.. وكانوا يعملون فى القصر الملكى ، وذلك بسبب قوتهم وأمانتهم.. ويذكر سفر أرميا إن الكوشى الذى كان فى قصر الملك صدقيا ، هو الذى أسرع وبلغ عن النبى أرميا.. إنه وضعوه فى جب ، وكان الكوشى سبب نجاة أرميا .. ولهذا إهتم الملك بعد هذا بإنقاذ الكوشى ، والذى كان حارساً للملك أو من الحرس الملكى ( أرميا 29:28).. بل هناك من الرب للملك اليهودى لأنه إعتمد على قوة كوش ولم يعتمد على قوة الله.. وكانت حدود كوش يحميها جنود كوش ، وتوجد نبوة ضد طغيان الفرعون الذى قال : النهر لى وأنا عملته ، ولم يعط مجداً لله.. وكما ذكر القرآن الكريم قول فرعون :ياقوم أليس لى ملك مصر ، وهذه الأنهار تجرى من تحتى (الزخرف 51).. وتقول النبوة التى لحزقيال النبى : هانذا عليك وعلى أنهارك وجعل أرض مصر خربة مقفرة من مجدل إلى أسوان إلى تخم كوش (حزقيال29).. ويذكر كتاب " جنود السودان فى المكسيك" كيف كان هؤلاء الجنود أقوياء، وصنعوا هم إنتصارات نابليون الذى كان يحترم مقدرات الجندى السودانى.. وكان الجندى السودانى حامياً لبلاده ضد أى غزوات خارجية.. ولم يكن حكام كوش يرغبون فى الإعتداء على أحد ، ولكن المعتدين عندما رأوا قوة الجندى السودانى لم يرجعوا فقط إلى بلادهم خائبين ، إنما إنتهزوا الفرص لضم جنود من السودان، وساعدهم على ذلك نظام الرق ذلك النظام السخيف المدمر لقيمة الإنسان.. وكان حكام بلاد العالم يشترون الشباب من السودان.. يأخذونهم عبيداً من أفريقيا ويضمونهم أفراداً فى الجيش ، وهذا يعنى أن لهم معاملة خاصة.. وعند الفراعنة عندما كانوا يأخذون سبياً من الشباب ، سرعان ما يضمونهم إلى الجيش المصرى وإلى الحرس الملكى لفرعون..الجيش الطولونى: يذكر المؤرخون إن صلاح الدين الأيوبى رغم مقدراته أخطأ عندما عزف عن إستخدام شباب النوبة فى الجيش الأيوبى ، وإستبدلهم بعناصر شمالية ، كردية ، وتركية ، ودبلمية.. ولهذا كان أهل النوبة ضد صلاح الدين ، ولأن الفاطميين أكرموا النوبة ، فلقد حاول النوبيون إستعادة مجد الفاطميين.. ولكن إبن طولون يُعد أول من إستخدم الجنود السودانيين فى الجيش الطولونى.. لقد بلغ عددهم فى الجيش أربعون ألف جندياً ، وهو عدد لا يُستهان به.. وقد أقطعهم إقطاعاً خاصاً ، عرف بإسمهم وبلغ من كثرة عددهم حداً إستوجب معه تعيين حاجب خاص لصرف جراياتهم.. ويقول المقريزى: إن إبن طولون حصل على هذا العدد الضخم بواسطة الشراء ، وهذا يعنى إن بلاد النوبة تعرضت لحملات عنيفة من جانب تجار الرقيق وخاطفيهم.. وقد كان فى جيش مصر جنود كثر من السودان وتردد فى بعض المراجع شكوى أهل مصر من ضيق المسجد الجامع يوم الجمعة بالجند السودانيين.. وقد إستمر ولاة مصر فى ضم السودانيين إلى الجيش ، وفى عهد المنتصر بالله قامت أمه وهى سودانية بجلب ما يزيد على خمسين ألفاً من أبناء جلدتها.. وكان للمرأة السودانية زوجة الجندى السودانى أو الذى له عملاً آخر لهن دور هام فى الحياة المصرية.. وكانت للسودانيين أسماء خاصة وحارات خاصة بهم فى مصر.. 90. سودانيون يحكمون الفراعنة مصر والسودان: إن العلاقة بين مصر والسودان ، هى علاقة قديمة جداً.. علاقة آزلية أى لا تعرف لها بداية.. وكلمة آزلى وأبدى هى صفة من فات الله الذى هو آزلى لا بداية أيام له.. وسرمدى تجمع الآزل والأبد ، أى لا بداية أيام له ولا نهاية.. ولم تكن هناك حدود بين البلاد.. وكانت أمور العباد تسير فى هدوء وسلام ، وكان السودان جزء من مصر.. وكان حاكم الجنوب يسمى إبن فرعون ، وهو سودانى .. ولكن البنوة ، هنا بنوة رمزية تعنى مساواته لأبيه الملك.. وظلت مصر تحكم السودان حفاظاً على أمنها وتجارتها ، ولكن كان السودان أيضا مكاناً مغلقاً أمام الناس.. وإن كان التجار هم الذين تمكنوا من إختراق الآفاق طمعاً فى مناجم الذهب وفى السلع النادرة والحيوانات الهامة مثل: النمور والفيلة والأسُود .. والسلع المهمة مثل : البخور والطيب والصندل.. ويقولون : إنه فجأة ظهرت مملكة نبتة التاريخية والتى أسسها الملك بعنخى، ذلك الملك السودانى العظيم ، الذى أخضع كل أمراء مصر له ، وجعل نبتة هى تحت الملك لمصر وأثيوبيا ، ومقره بعد إنتصاراته العديدة ، وأتى بعده الملك كاشتا ثم الملك سباقون ، والذى رأس الأسرة الخامسة والعشرين ، والذى حافظ على حكمه لمصر والسودان بتعيين رقباء على أمراء مصر.. والرقباء من السودان.. وعين شقيقته الملكة " آمن ريتس" ملكة على الوجه القبلى فى الأقصر.. ولكن هذا الملك " سباقون" رغم إدارته القوية لم تدم له الحال ، وذلك لأن مملكة آشور (سوريا) كانت مملكة قوية كدرت صفاء كل الممالك التى حولها من فينيقيين ويهود وفلسطين.. واجمع الملوك على أن يستنصروا بملك مصر والسودان.. والذى ذكرته التوراة بإسم " سوا" .. ورحب " سباقون" بهذا التحالف الذى طلبه الملك هوشع اليهودى ( 2 ملوك 1:17).. وقبل هدايا هوشع ، وإعتبرها جزية ونقش على حائط هيكل الكرنك بالأقصر : إنه أخذ الجزية من بلاد الشام ، كما أخذها مشاهير ملوك مصر الذين تقدموه.. وبعد الملك سباقون يأتى إبنه الملك " سبيخون" والذى إنتهز فرصة إنشقاق المصريين على بعضهم ، وحارب الوجه البحرى وإسترجعه إلى مملكة نبتة.. ولكن لم يدم الأمر للملك سبيخون ، حيث ظهر ملك سودانى عظيم هو ترهاقا.. والذى ذكر فى الكتاب المقدس فى سفر أشعياء يقول : وسمع عن " ترهاقة" ملك كوش قولاً قد خرج ليحاربك ( أشعياء 9:37).. وهذا أيضا نفس ما ورد فى سفر الملوك الثانى (9:19).. وذلك فى محنة الملك حزقيا أمام تهديدات الملك سنحاريب ملك آشور ، والتى جعلت حزقيا يلبس المسوح ويتضع أمام الرب ويطلب إرشاد أشعياء النبى ، ومن خلال الإنكسار تواضعا أمام الله أتى الإنتصار للملك المتضع.. وكان كلام الرب : إن الملك المتكبر سوف يرجع خائباً وإلى المدينة لا يدخل ، وأحامى عن هذه المدينة لأخلصها من أجل نفسى ومن أجل داؤد عبدى .. وكان فى تلك الليلة إن ملاك الرب خرج وضرب من جيش آشور مئة ألف وخمسة وثمانين ألفاً.. وفى الصباح وجدوا هذه الآلاف جثثاً ميتة ، فإنصرف سنحاريب الملك راجعاً ، وكان وهو ساجد فى هيكل إلهه الوثنى أن أبناءه ضرباه بالسيف فمات عقاباً على كبريائه وسخريته بالله ( ملوك الثانى 19)..الملك ترهاقة: وتذكر بعض المصادر إسم هذا الملك بأنه طهراق.. وطهراقا.. ويذكره الكتاب المقدس بإسم ترهاقة.. وفى دائرة المعارف الكتابية الجزء الثانى صفحة 364 نقرأ عن ترهاقة ضمن نقاط هى :-1. الأسرة الأثيوبية: ترهاقا هو أحد ملوك الأسرة الخامسة والعشرين فى مصر القديمة ، المعروفة بالأسرة الأثيوبية ، لأنهم جاءوا أصلاً من النوبة، ولقبه فى النقوش الهيروغليفية هو " تاهرقا" .. أما إسمه الأول على معابد " كا وا" فى السودان فهو " نفر" أنمو-رع-هو.. أى نفر أنمو رع يحرس ويحمى.. أما الإسم فى الآشورية فهو تاركو كما جاء فى نقوش آشور بانيبال.. وكانت مصر فى منتصف القرن الثامن قبل الميلاد ، قد تحولت إلى ولايات إقطاعية وجدت فى 730 ق.م.. إن القائد بعنخى إستولى على الجزء الأكبر من مصر وإعتلى عرشها..2. بعد موت بعنخى: كان الملك " شاباكو" الذى حكم خمسة عشر سنة ، وهو شقيق بعنخى ، وبعده حكم الملك شبتكو " سباقون" وحكم ثلاث سنوات ، وهو إبن بعنخى.. وبعد هذا يأتى تهراقا الأخ الأصغر للملك شبتكو ، وإبن بعنخى .. وكان هذا نحو 693 ق.م.. وقد توج ملكاً فى منف 689 ق.م.. وقام بتجديد معبد " آمون رع" فى كاوا.. وحارب كل الطامعين فى العرش من منطقة الدلتا ، وحظى بإحترام المصريين ، وحدث أن زحف سنحاريب ملك آشور على فلسطين وحاصر أورشليم فى عهد حزقيا الملك..3. يعتقد المؤرخون : إن الإتصال الأول بين جيش ترهاقة والجيش الآشورى حدث فى 701 ق.م.. ويرى بعض المؤرخين إن ترهاقا كان قائداً للجيش، ولم يصبح ملكاً إلا فى 693 ق.م.. بينما يرى البعض إن سنحاريب قام بحملتين على فلسطين واحدة منهما بعد تولى ترهاقا العرش..4. حارب ترهاقا الآشوريين: وهذا ما تذكره نقوش سنحاريب إنه حارب ملوك " مصورون" أى مصر.. ورماة سهام ومركبات مروها أى مروى ، ولكن هذه النقوش لم تذكر تهراقا..5. حارب تهراقا ضد آسرحدون الآشورى ، ومات أسرحدون أثناء المعركة.. وتولى بعده إبنه ، وإضطر تهراقا إلى الهروب عائداً إلى كوش ليموت هناك ، وبعده يأتى إبنه الملك " تانتامان" أو " نوات ميامون" والذى عهده هو آخر حكم من السودان على مصر ، وهو نفسه الملك صاحب الأحلام التى تحققت له... 91.الرهبــان والنوبــة قبل الرهبان: إذا كانت الرهبنة قد سطع نجمها فى آواخر القرن الثالث وفى القرن الرابع الميلادى، فإن المسيحية كانت فى النوبة قبل الرهبان والرهبنة.. وذلك لأنه من المستبعد ان تكون المسيحية قد وصلت فجأة إلى تلك الأوطان ، بل بالتدريج وعلى مراحل ترجع إلى عهد الإضطهادات الأولى فى مصر.. وتذكر بعض الروايات إن المسيحية دخلت بلاد النوبة على يد المبشرين المصريين فى القرنين الأول والثانى للميلاد.. بدليل إن بطريرك الكنيسة القبطية فى مصر منذ عهد المسيحية الأول يحمل لقب بطريرك الإسكندرية والديار المصرية ، والنوبة والحبشة والخمس مدن الغربية .. تجمعها الكلمات الثلاثة المنقوشة على خاتمة بطريرك الكرازة المرقسية.. وفى كتاب ماسبيرو تاريخ بطاركة الإسكندرية وهو كتاب باللغة الفرنسية إن بابا مصر أطلق عليه لقب بطريرك الإسكندرية والحبشة والنوبة والخمس مدن الغربية.. كما ذكر فانسليب Vansleb .. عن بطريرك الإسكندرية والأقاليم التابعة لمصر بيت المقدس والحبشة والنوبة والخمس مدن الغربية والبلاد الأخرى التى بشر فيها القديس مرقس ، وتأيد هذا اللقب فى مجمع نيقية الأول سنة 325 م.. ومجمع القسطنطينية الثانى سنة 381 م.. وذكر أيضا فى تاريخ البطاركة والسنكسار تحت تاريخ حياة البابا ديمتريوس البطريرك الثانى عشر (189-231 م)..إنه رئيس أساقفة مصر والخمس مدن الغربية والنوبة والحبشة.. وهناك وثيقة قبطية ذكرها مؤلف الإسلام والنوبة فى العصور الوسطى ، والوثيقة تتحدث عن بعثة تبشيرية إنطلقت من أسوان وجزيرة فيلة إلى النوبة السفلى فى القرن الرابع الميلادى ، وهذا يوضح العلاقة الطيبة بين المسيحيين فى أسوان وجيرانهم فى النوبة ، وربما ولابد أن تكون معجزات الأنبا هارون أحد أساقفة فيلة فى القرن الرابع قد بهرت أهل النوبة.. كما كان ثيودور أسقف فيلة يقوم بزيارات متعددة لبلاد النوبة ، وقد خدم هذا الأسقف لمدة نصف قرن ، كان فيها حلقة وصل بين المسيحية وأهل النوبة، وكان أيضا سبباً فى أن الدولة البيزنطية حاولت طرد قبائل البجا أو البلميين من النوبة لشدة إيذائهم للمسيحيين.. وإن كان البجا أنفسهم قد آمن بعضهم بالمسيحية ، وهذا ما تؤكده الوثائق الثلاث المكتوبة باليونانية على رق غزال.. وجاء فى كتاب حياة قسطنطين الذى ألفه يوسابيوس : إن المسيحية دخلت أثيوبيا على يد البعثات التبشيرية التى أوفدتها الكنيسة القبطية فى عهد قسطنطين الأكبر..الرهبان والنوبة: لقد جاء بعض الرهبان إلى بلاد النوبة وعاشوا فيها.. بعض المتوحدين تركوا مصر وهربوا جنوباً حتى جبل أولياء وقد أطلق السودانيون إسم أولياء الله على رهبان المسيحية.. وقد كان إهتمام الرهبان بالتبشير فى النوبة إهتماماً كبيراً وهنا نذكر :-1. ما تذكره وثيقة قبطية عن راهب إسمه بافنليوس لراهب آخر عجوز يعيش فى جزيرة بالجنادل الأولى ، ويدعى إسحق ، وهو تلميذ لناسك مشهور فى هذا الإقليم إسمه أنبا هارون.. وحدّث إسحق زائره عن إن سكان فيلة وثنيون ، وقليل منهم مسيحيون ، وهؤلاء هم المضطهدون من جيرانهم ويزورهم رهبان أسوان وفيلة مرة كل أسبوع لتعليمهم قواعد الدين ، فأرسل مقدونيوس وهو موظف رومانى تقريراً بهذه الأخبار إلى البابا أثناسيوس (344-390).. فعينه أسقفاً حتى يستطيع أن يقوى من شأن المسيحية فى هذه المنطقة ثم خلفه مرقس وإسحق..2. فى تاريخ حياة الأنبا شنودة رئيس المتوحدين وأقواله ، ما يشير إلى علاقته بالبجا والنوبيين الذين تمنى لهم شنودة أن يتبعوا الحق ويهديهم الله سواء السبيل ، وأوى الأنبا شنودة مجموعة من قبائل البجا فى دير أخميم فى منتصف القرن الخامس الميلادى ، وقدم لهم ما تيسر آملاً فى إجتذابهم إلى المسيحية..3. توجد مجموعة من قصص الرهبان التى تصور علاقة الرهبان بالنوبيين والبلميين (البجا) الذين كانوا يهجمون على الأديرة وكيف كان الرهبان يحاولون كسب ودهم .. ومن بين هذه القصص أربعون قصة ذكر منها كرم . CRUM ثلاثة.. وتروى القصة الثانية والثلاثون نبوة راهب يدعى مرقوريوس بإغارة النوبيين على الدير ، وقد نصح الراهب وكيل الدير بضيافة أولئك المعتدين ، لأن أميرهم سوف يصبح راهباً وقديساً.. وفى القصة الثالثة والثلاثون تتحقق النبوة كاملة ، ويقوم هذا الأمير النوبى بحماية الدير.. ويتضح فى نهاية القصة إن الراهب مرقوريوس هو الذى عمّد هذا الأمير النوبى خلال رحلة تبشيرية إلى هناك.. وغير إن هذه القصص غير معروف تاريخها ، ولكنها تحتفظ لنا بذكرى تبشير الرهبان فى بلاد النوبة ، ربما فى القرن الرابع أو الخامس الميلادى.. لقد أحب الرهبان أهل النوبة وقدموا لهم السيد المسيح مخلصاً وفادياً... 92.ملوك سودانيون يتفرغون للعبادة سوار الدهب: يُعد المشير عبد الرحمن سوار الدهب صورة مشرّفة للزهد فى عروش الدنيا.. لقد كانت أمامه فرصة متاحة ومشرعة بكل أبوابها لكى يستمر فى حكم السودان بعد الإنتفاضة الشعبية ضد حكم جعفر نميرى سنة 1985 م.. ولكنه آثر أن يتنازل عن السلطة ويسلمها للشعب صاحب السلطة ، وهذه ظاهرة غريبة فى عالم اليوم.. وقد سمعت إن سوار الدهب ذات مرة أجريت له عملية جراحية فى المملكة العربية السعودية ، وعندما قام الأطباء بتحليل الدم إقترح أحدهم أن يؤخذ مصل من دمه ويعطى للحكام الذين يجلسون على الكرسى يخترقون القانون ويعدلون الدستور لكى يستمروا حتى الموت.. التحية لهذا الرجل الظاهرة .. ولقد فكرت فى زهد هذا الرجل وأنا أقرأ تاريخ السودان القديم ، وبالذات عندما وقفت أمام ملوك سودانيين صمموا على التفرغ للعبادة.. أحدهم تفرغ لخلاص نفسه ، ولكنه كان يُعين الملوك ، وعندما يرى إن الملك الذى عينه يتخطى الخطوط الحمراء ، كان يوصيه أن يتقى الله فى شعبه.. وعندما لا يتجاوب كان يسقطه من عرش الملك، ويعين ملكاً آخر بدلا منه.. وآخرون من ملوك السودان فى العصر المسيحى صمموا على الإنعزال عن العالم وترك مفاتن الدنيا وعرش المملكة والذهاب إلى الدير والحياة مع الرهبان المسيحيين وفق مبادىء الرهبنة القبطية ، وهى البتولية والطاعة والفقر الإجبارى..زكريا أبُ الملوك: يأتى زكريا إلى العرش الكوشى عام 744 م ملكاً على دنقلة خلفاً للملك مرقوريوس أول من وحد المملكتين نوباطيا والمقرة.. تحت إسم "المملكة المتحدة السودانية ".. وقد رفض هذا الملك العرش وإتجه نحو خلاص نفسه والحياة مع الله ، إنطلاقاً من ان مشاغل الملك وأبهة العرش قد تشغله عن العبادة.. وماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه ؟.. وإنطلاقاً من صعوبة خلاص الرؤساء كما قيل فى التراث : عجبى لرئيس يخلص.. ولكن الملك زكريا إحتفظ لنفسه بحق تعيين الملوك.. ولهذا سُمى " أبُ الملوك " وقد عين أربعة ملوك هم : سيمون وإبراهام وماركوس وقرياقص.. وقد ملك سيمون حتى مات.. أما إبراهام فقد كان شريراً مما جعل زكريا ينصحه ، فلما لم يسمع النصيحة عزله.. وقد كتب الشماس يوحنا أمين سر بطريرك الإسكندرية يقول : كان فى دنقلا بلد بلاد النوبة ملك إسمه مرقوريوس.. وكان يدعى قسطنطين الجديد.. لأنه صار بأفعاله الجميلة كأحد تلاميذ المسيح.. ووهب له الرب ولداً سماه زخارياء (زكريا).. فلما مات مرقوريوس الملك لم يختر زخارياء أن يكون ملكاً، بل كان مشغولا بخلاص نفسه وكلام الله.. وقد إستمر هذا الملك لا يملك ، ولكنه يُعين الملوك من 744-868 م..الملك سلمون: يرجع تاريخ هذا الملك إلى سنة 1080 م ويسمى سلمون الناسك، وقد كرّس نفسه للرهبنة وعين بدلا منه إبن أخته الملك جورج.. وذهب إلى دير أبونفر السائح قرب فرص، وكرّس حياته للعبادة ،ودفن فى دير الخندق.. وقد قال عنه أبو صالح الأرمنى : إنه كان يتعبد فى البيعة سلمون (سليمان) ملك النوبة لما نزل على الملك وخلع نفسه وقال : من ذا الذى من الملوك يخلص من الحكم بين الناس من قبل الله تعالى ؟.. ولم يميل مع الهواء.. ولم يسفك الدماء ظلماً.. ولم يغضب الناس لما لم يستحقه عليهم .. فأنهى حاله إلى والى الصعيد الأعلى وهو أسعد الدولة التونسى فى خلافة المستنصر بالله ، ووزارة أمير الجيوش بدر.. فسير من أخذه من هناك وتوجه به إلى القاهرة .. ولما وصل إلى الباب أكرمه كرامة عظيمة.. وبعد إقامته تنيح ودفن فى ديرالقديس مارجرجس بالخندق،فى بطريركية كيرلس وهو السابع والستين فى العدد وقبره من داخل سور البيعة مجاور الباب على يمين الداخل إليها.. وقد ذكر كلمات سيرة البطريرك كيرلس إنه كان سلمون ملك النوبة قد ترك المملكة وعزل نفسه عنها وسلمها لجرجه( جورج الثالث) إبن أخته ، وإنفرد هو للعبادة والنسك .. فلما كان فى السنة الثانية من بطريركية أنبا كيرلس(1079 م) مضى سلمون المذكور إلى وادٍ يُعرف بإسم القديس أبونفر فى بيعة على إسمه ، ليتعبد هناك.. وبينها وبين أطراف النوبة مسيرة ثلاثة أيام .. وبينه وبين أسوان مسيرة عشرة أيام.. وكان والى أسوان يومذاك أسعد الدولة " ساروكين القوسى" فأتاه أحد إخوة كنز الدولة وقال له : يامولاى هل تريد أن أمضى وآخذ سلمون ملك النوبة وآتيك به ؟.. فقال له : نعم.. فأخذ معه عشرين رجلاً وساروا فى خفية حتى وصلوا إلى بيعة أبونفر وكبسوها بغتة (هجموا عليها فجأة).. وأحضروا سلمون إلى والى أسوان الذى أرسله إلى القاهرة.. ويذكر التاريخ إن هذه مكيدة .. وإن القاهرة لم تقدر إلا أن تحترمه وتحترم وفادته.. ويذكر التاريخ أيضا إن هذا الملك قد ترك مخطوطاً يثبت ما كان يتمتع به هذا الملك النوبى من علم ومعرفة .. والمخطوط قطعة أدبية روحية باللغة النوبية..الملك جورج الرابع: إن زكريا رفض العرش وعيّن الملوك.. وسلمون الملك رفض العرش، وعاش مع الرهبان فى دير نوبى ثم دُفن فى دير قبطى بمصر.. أما الملك جورج الرابع فقد ترهب فى أحد أديرة وادى النطرون ، وهو من مواليد النوبة 1105م وصار ملكاً سنة 1131 م.. وهذا ما وجد فى لوحة على قبره مكتوبة باللغة العربية والنوبية... 93. السحر والسماحة فى عيون بلادى سمعة السودان: يتمتع السودان بسمعة طيبة..وأهل السودان هم أهل الطيبة والسماحة والتسامح..وهذه السمعة الطيبة إمتدت إلى بلاد كثيرة.. وفى مصر شهادات جميلة منقوشة على الآثار المصرية تؤكد الأخلاق الطيبة التى يتحلى بها أهل السودان... وتتميز شخصية السودانى بالتفانى فى خدمة من يعملون لديهم.. وقد أطلق المصريون القدماء لقب " المستمعون" وذلك كناية عن تجاوب السودانى مع نداء من يناديه لكى ينقذه ويساعده بل ويفديه.. وفى تراث القديسين فى الكنيسة القبطية تسمى مريم العذراء صاحبة التاريخ المجيد ، وأم عيسى المسيح بن مريم .. بأنها العذراء المغيثة لأنها سريعاً تتجاوب مع نداء من يطلبها ، ومن العادات السودانية القديمة الموجودة حتى الآن فى بعض مناطق السودان : أن تجلس النساء بجوار المرأة التى تلد ويتنادون : ماريا ماريا .. أى إنهم يستغيثون بمريم العذراء لكى تتسهل الولادة.. لأنها أم .. ولأنها ولدت ولادة طبيعية .. ولأنها تشعر بالمرحلة الحرجة التى تمر بها المرأة عندما تلد.. وإن ساعة الولادة هى ساعة قريبة إلى الموت.. وهذا الإحتفال الإبتهالى يسمى " المارية".. وهذه العادة موجودة حتى الآن فى بطن الحجر ، وفيها يرفع النساء أصواتهن بالدعاء المتكرر ويذكرون مراراً باللغة النوبية إسم " ماريا" وكما يقول فانتينى : إنه قد روى شهود عيان : إن تلك الصيحات هى إبتهالات إلى القديسة الطاهرة مريم العذراء ، لكى تساعد المرأة فى الولادة.. أما القديس جرجس فهو قديم يسمى " سريع الندهة" لأنك عندما تطلق إليه نداء ليأتى .. يأتى سريعاً ويعينك.. ويقولون : إنه يأتى بسرعة عن غيره لأنه يأتى على صهوة جواده .. هكذا قيل عن أهل السودان : إنهم " المستمعون" أى الذين يسمعون سريعاً ويلبون النداء.. والمرأة الكوشية أيضا سريعة الحركة ، سريعة فى تلبية النداء.. وقد دوّن فى نص بمقبرة " أحمس" أبينا من الأسرة الثامنة عشر ، جملة تقول : خادمات مطيعات من كوش.. وهذا يعنى ما تميز به السودان رجالاً ونساءً.. وأهل السودان هم أهل عفو وعافية.. وصبر وصمود.. وأهل تسليم الحياة لله إيماناً بأن قضايانا هى فى يد الله الذى لا يغفل عنا ولا ينام.. والذى يجعلنا ننام ونحن فى حمايته محروسين .. وعينيه علينا وهو لا يغفل ولا ينام.. لأنه يحرس بنفسه مداخلنا ومخارجنا.. ويزين تخومنا بكل سلام..الرحالة الإسكتلندى: ويعتبر الرحالة الإسكتلندى "جيمس بروسJames Bruce هو أول رحالة مكتشف زار ولاية نهر النيل فى عام 1772 م .. والحديث هنا للأستاذ صلاح عمر الصادق فى كتابه " تنمية السياحة الآثارية بولاية نهر النيل ".. ولقد مر " بروس" على آثار مدينة مروى فى نهاية القرن الثامن عشر.. وهو الذى حدد إن مروى هذه التى يراها ، هى نفسها مروى التى تكلم عنها " هيروديت" أبُ التاريخ فى القرن الخامس قبل الميلاد.. وقد دخل بروس إلى شندى وهو فى طريقه إلى مصر، بعد قدومه من الحبشة.. حيث تم له إكتشاف منابع النيل الأزرق.. وذلك فى زمن الفونج.. المهم شهادة بروس الذى وصف الوعى الثقافى الذى تتمتع به الطبقة الحاكمة فى السودان ، وذكر الحديث الذى دار بينه وبين الملكة " ستنا" أى ست الجميع.. أو الكل كما يقولون.. وربما يكون هذا هو لقب الملكة وليس إسمها.. مثلما إن كنداكة تعنى"المرأة العظيمة".. وهو لقب للملكات وليس إسماً لهن.. وقد قال بروس : إن الملكة ستنا تتحدث بعمق وأدب عظيم .. ووصف هيئة الملكة وهيبتها ووقارها.. وذكر إن لها أسناناً وعيوناً لم ير أجمل منها فى حياته.. لقد وقع الرحالة فى بحر الإعجاب بجمال المرأة السودانية وخصوبة أفكارها وأنوثة كلماتها المهذبة الرقيقة..البعثة البولندية: أما البعثة البولندية التى عاشت فى السودان لإنقاذ آثار النوبة من مياه السد العالى مدة ثمانى وثلاثين سنة.. وهى الآن لها عشر سنوات لإنقاذ آثار سد مروى.. وفى كتابها " عشرة أعوام فى خدمة السودان" منذ 1994 حتى 2005 م.. يقول " هنرى بانر" وهو يقدم الكتاب : إن هذا الكتاب يعتبر تكملة للمعرض المقام فى المتحف القومى.. ويقول : إن نشاطنا فى السودان لا ينحصر فقط فى مجال الإكتشافات الآثرية والأبحاث العلمية فى الأجناس التى كانت تقطن تلك المنطقة فى العصور التاريخية القديمة ، بل يمتد عملنا ليشمل سحر وجمال هذه الأرض.. وكذلك طيبة وسماحة أهلها.. وترى البعثة إنها تطمح من خلال المعرض المقام فى المتحف القومى ومن خلال الكتاب فى نشر ولو جزء يسير من ذاك السحر وتلك السماحة .. ولقد كان بعض أعضاء البعثة يقيمون مع أسرة عضو البعثة محمود الطيب فى العباسية بأم درمان .. وكان هذا كما يقولون هم : فرصة للتعرف على طبيعة الحياة السودانية من عادات وتقاليد ، مما جعلهم عندما يسافرون يعودون إلى العباسية كما إلى ديارهم.. وطبعاً من يشرب من مياه النيل فى السودان الأصيل لابد أن يعود لأن هذا الماء يرويه ويذكره بأجمل بقاع الدنيا السودان العظيم.. شكراً لكل من رأى الحُسن فى عيون وطنى.. 94.كنوز تحت رمال دنقلا عاصمة حضارية: كانت دنقلا هى العاصمة الحضارية للمملكة المسيحية..وقد إنضمت مملكتان معاً هما نوباطيا والمقرة بعد أن كانت هناك مشاكل بين ملكيها رغم إنهما مسيحيان.. وإختفى إسم نوباطيا وصارت مملكة المقرة هى الحاكمة والعاصمة هى دنقلا، لأن ملك المقرة إحتل نوباطيا.. وهناك لوحة تذكارية فى كتدرائية فرص مؤرخة سنة 707 م.. فيها إسم الملك مرقوريوس ملك دنقلا ، فى السنة العاشرة من ملكه.. ثم تذكر اللوحة إسم مركوس الأبرخص الكبير ، وفى نقش دندور سنة 559 م يوضح إن إلى جوار الملك العدد الكبير من الموظفين ، وأعظم هؤلاء الموظفين خطراً هو الذى يحمل لقب هيزارك HEZARCH أو إيباركEPARCH وهو يعادل لقب DUX دوكس فى الألقاب البيزنطية.. وقد كتب العرب إيبارك أبرخص وتعرفوا على هذا عندما قام بن مروان بسجن البابا القبطى ، وأرسل الملك النوبى كيرياكوس مندوبه الأبرخص لمقابلة الخليفة ، والذى أمر بسجنه أيضا حتى إضطر ملك النوبة قرياقوص أن يأتى على رأس جيش مدجج بالأسلحة لإنقاذ نائبه الأول ، ولإنقاذ رئيسه الروحى .. وقد كان الجيش مكوناً من مائة ألف فارس ، ومائة ألف ناقة ، ومائة ألف فرس.. وحط الجيش رحاله بجوار قصر سلطان مصر فى مكان يسمى " بركة الحبش".. مازال موجوداً حتى الآن.. ولقد كان ملك النوبة يسمى عظيم النوبة.. ويسكن فى دنقلا ونائبه يقيم فى نوباطيا لتسيير الأمور هناك.. وكان الملك قرياقوص يرأس ثلاثة عشر ملكاً آخرين ، لذلك سُمى ملك الملوك.. ويرى الدكتور مصطفى محمد مسعد فى كتابه " الإسلام والنوبة " إن إتحاد المملكتين نوباطيا والمقرة كان على أساس أن تحتفظ كل من المملكتين بإستقلالهما الداخلى ، ويطل حاكم المملكة الشمالية نوباطيا أو مريس فى منصبه يحمل لقب أبرخص أى نائب الملك.. وعلى مستوى الممالك إختصرت الثلاث ممالك إلى مملكتين، والعواصم إلى عاصمتين .. هما: دنقلا وسوبا.. وقال العرب إن المسافة بين أسوان ودنقلا كانت مسيرة أربعين يوماً على شاطىء النيل عمائر متصلة ، وهذا فيما يُسمى طريق الأربعين .. وقال أبو الفدا : ومن أمم السودان النوبة وهم يجاورون الحبشة من جهة الشمال والغرب.. والنوبة فى جنوب حدود مصر.. ويقال إن لقمان الحكيم الذى كان مع داؤد الملك ، هو من النوبة .. وإن ذو النون المصرى وبلال بن حمامة هم سودانيون ، ومدينة دنقلة هى دار مملكة النوبة.. وظلت دنقلا عاصمة حضارية حتى عصر المماليك.. وتعيينهم لحكام مسلمين، وكان الملك برشمبو أول ملك نوبى مسلم ، وقد بنى مسجداً فى قصره.. وبعدها أفل نجم المسيحية فى دنقلا إلى حد ما ، ولكن ظلت دنقلا هى البلد السودانى الذى يحوى فى باطنه أعظم الآثار والتحف والكنائس القديمة..تحت الرمال: ومن المفترض أن تكون هناك آثار تحت الرمال فى دنقلا ، وفى 1964-1965 م منحت إدارة الآثار السودانية ترخيصاً لبعثة بولندية للقيام بحفريات فى منطقة دنقلا ، وكانت الإكتشافات التالية:1. لاحظ علماء الآثار فى البعثة البولندية وجود مربعات من الجرانيت الأحمر..إثنان أو ثلاثة ظاهرة من الرمال ، وبدأوا بتعميق الحفريات ، وإزالة الرمال فظهر عمود مثبت بقواعد.. وكان هذا سبب سعادة غامرة للبعثة.. وإستمر الحفر فى عمود آخر حتى تم إكتشاف ستة عشر عموداً فى أربع صفوف منتظمة.. ولم يكن بينها سوى عمود واحد منتصب... وواضح إن هذه كنيسة أو كتدرائية .. وكلمة كنيسة تطلق على كل الكنائس ، ولكن كلمة كتدرائية تطلق على الكنيسة التى يقيم فيها الأسقف رئيس الكنيسة .. وطول الكنيسة التى وجدت تحت رمال دنقلا ثلاثون متراُ وعرضها عشرون متراً.. وأطلقوا عليها الكنيسة أو الكتدرائية ذات الستة عشر عموداً.. وكنت آمل أن أعرف إتجاه بناء الكنيسة الآثرية هذه.. ولكنى أعرف إنها تتجه ناحية الشرق لأنه هكذا تُبنى الكنيسة القبطية نحو الشرق ، لأن المسيح سوف يأتى فى مجيئه الثانى من ناحية الشرق.. ولأن الفردوس المفقود كان فى الشرق.. ولأن السيد المسيح هو شمس البر والشفاء فى أجنحتها.. ولأن نجم المجوس ظهر فى المشارق.. وهكذا فى كشف الكنيسة ، ظهرت أحجار فقط دون رسومات ولوحات جدرانية ، لأن هذا قد دُمّر تماماً..2. إكتشف حائط عظيم هو سور دنقلا.. والسور مصنوع من الطين والحجارة ، ويحيط بدنقلا كلها.. وهذا يعنى إنها كانت عاصمة محصنة.. وكان فيها تنظيم جيد للحماية..3. فى عام 1990م وبعد ثلاثين عاماً من البحث للبعثة البولندية، وجدوا أخيراً لوحات ورسومات للسيد المسيح والملائكة والقديسين والأساقفة والقساوسة.. ورسومات على الجدران فيما يعد سبعون لوحة.. وبالبحث وجد أن هذه اللوحات فى كنيسة فى دير ، وذلك لأنهم وجدوا موائد من الطين وأدوات أخرى ، وأطلقوا على المنطقة إسم دير الثالوث القدوس.. وذلك لوجود عدة لوحات ترمز للثالوث الأقدس.. وطبعاً كانت دنقلا وكل مملكة النوبة المسيحية زاخرة بالأديرة وبالرهبان والنساك والسّواح فى الله سياحة روحية ، حيث إن بعض الملوك كانوا يتفرغون للعبادة مثل زكريا أبُ الملوك.. والملك سلمون( سليمان) الذى تنازل عن العرش لإبن أخته ، وذلك لكى يتفرغ أيضا للعبادة فى دير من أديرة مصر.. وقد نزل هذا الملك ضيفاً على الخليفة المستنصر بالله ، ودفن الملك سلمون فى دير مارجرجس بالخندق..4. فى أحد المربعات التى أكتشفت فى كنيسة الستة عشر عموداً ، وجد تحت باللغة الهيروغليفية فى مدح الملك ترهاقا ، وهو فرعون كوشى يرجع لعام 689 قبل الميلاد ، وذكر فى سفر( أشعياء 37).. وربما يكون هذا الحجر نقل إلى كنيسة من معبد قديم.. وما زال البحث والتنقيب مستمراً إلى كشوفات أكثر وأكبر من كنوزنا المدفونة تحت الرمال.. 95. الشيخ القرنى وأسقف النوبة هجرة النوبيين: عندما بدأ مشروع السد العالى فى مصر.. كانت هناك آثار له فى السودان ، حيث إمتد أثر بحيرة ناصر على مسافة مائة وخمسون كيلومتراً داخل السودان .. وإبتلعت مياه البحيرة سبعة وعشرين قرية ، بالإضافة إلى مدينة حلفا القديمة موطن الحضارة العتيقة.. وقد أسندت حكومة السودان مهمة التهجير إلى السيد حسن دفع الله ، والذى كتب مذكراته فى كتابه " هجرة النوبيين" قصة تهجير أهالى حلفا.. والكتاب باللغة الإنجليزية وترجمه عبد الله حميده.. ويحتوى الكتاب على ذكريات ومواقف، ولا يخلُ من طرائف طريفة .. والكتاب طبع بعد رحيل المؤلف إلى عالم الخلود.. وعاش مع أهالى حلفا ست سنوات مسئولا عن التهجير من كافة وجوهه المادية والعاطفية ، كما قال هو .. وكان عليه أن يقيم الأوضاع ويتخذ القرارات.. ويرى إن إنجاز عملية الترحيل يُعد مفخرة للجهاز الإدارى لنظام مدينة كاملة جديدة هى حلفا الجديدة.. ويحتوى الكتاب على مادة كثيرة وكبيرة وحديث شيق عن النوبة القديمة أو النوبة المفقودة .. وكيف تم التهجير قبل أن تغمر مياه السد العالى كل المنطقة، ويغرق فى الماء أقدم موقع حضارى.. لأقدم أمة متحضرة ، مثلما أغرق الطوفان فى أيام نوح حضارة الإنسان الأول..البعثة الإسكندنافية: وعندما أطلق السودان النداء إلى العالم لإنقاذ آثار النوبة ، وفد إلينا الكثير من البعثات لكى تقوم بالإنقاذ .. وقد أوكل للبعثة الإسكندنافية فى عام 1960 م مسئولية التنقيب فى منطقة على الضفة الشرقية للنيل.. فيما بين فرص وجيمى ، على إمتداد خمسة وخمسين كيلومتراً.. وكانت أوسع مساحة يؤذن لبعثة بالعمل فيها.. وخلال ثلاث مواسم للعمل تمكنت هذه البعثة من إكتشاف مئات المواقع الآثرية وإجراء حفريات فى 364 موقعاً.. و 1290 قبراً ، وعثرت على المئات من القطع الآثرية .. شملت قبعة ذهبية وأدوات من المرمر والنحاس والفخار وأختام مستهلكة.. ومجموعة من سلال النخيل قديمة جداً.. ولكن كأنها حديثة جداً.. حيث صُنعت بنفس الطريقة السائدة اليوم ، حتى ظن مؤلف الكتاب إنها تخص عمال الإستكشاف..الشيخ والأسقف: ويذكر دفع الله حادثة واقعية لا تخلُ من الطرافة حدثت على مقربة من قرية " الصحابة" وإسم القرية يرتبط بصحابة الرسول الكريم ، لأنه هناك ضريح يعتقد إنه لأحد صحابة الرسول ، وبالتحديد للصحابى " أويس القرنى".. وكان أهل النوبة يعتزون به ويزورونه.. ويحملون إليه الشموع ، ويطلبون منه البركة.. ويقدمون الأضحية ، يذبحون بجواره الخراف ، ويتحدثون عن كراماته العظيمة ، وعن إختباراتهم مع هذا الولى المقتدر ، ويزينون ضريحه بالرايات والأعلام.. وفى مطلع عام 1964 م وجدت البعثة الإسكندنافية ضريحاً عتيقاً تحت مزار الشيخ القرنى.. وكان خوف مدير البعثة من الحفر لحساسية الموضوع دينياً ، فطلب من المفوض الإدارى حسن دفع الله السعى للإستئذان من السكان.. وفعلا نجح فى ذلك.. وكان منطقه إن الضريح بجملة سوف تغمره المياه ، وليس من الحكمة الإعتراض على الحفريات ما دامت البعثة سوف تخرج جسد الشيخ وتُعيد دفنه بكل عناية فى محيط نفس المكان ، وتمّ علاج الأمر بحكمة وكياسة.. وإغتبط بروفسور" سودر بيرج" رئيس البعثة لنجاح دفع الله ومعه الشيخ صالحين ووجهاء المنطقة فى إقناع أهل المنطقة بالحفريات المطلوبة فى ضريح الشيخ " أويس القرنى" أحد صحابة الرسول الكريم.. وبعد أيام قليلة قام أعضاء البعثة يصحبهم عمالهم وبعض وجهاء المنطقة بالحفر فى قبر الصحابى أويس القرنى، وقد ألجمت الدهشة ألسنتهم عندما إكتشفوا إن صاحب القبر كان أسقفاً مسيحياً يتدلى الصليب من عنقه ، مما أثار الدهشة بين النوبيين.. فقد كانوا طوال أمد إمتد لسنوات كثيرة يبجلون أسقفاً مسيحياً معتقدين إنه شيخاً لهم ، ويرى دفع الله إن هذا الخلط سببه تتابع الأديان واحد إثر الآخر.. وإستمرت البعثة تؤدى عملها ، ووضعت جسد الأسقف النوبى فى القبر الذى تم حفره لدفن جثمان الشيخ الصحابى.. وإستمرت البعثة حفراً فى المقبرة الآثرية التى كانت منحوتة فى الصخر، ولكن جدرانها كانت خالية من النقوش والكتابة ، وعثرت فى إحدى الغرف على أربعة تماثيل حالتها متهالكة مما أزهد البعثة فى أى محاولة لنقلها ، وعثرت على عمود أوضحت نقوشه إنه كان لأمير نوبى هو " أم..نم..حت "... شقيق أمير دبيرة المسمى " جيحوتى- حتب".. وظلت قصة الشيخ والأسقف من القصص الطريفة التى يحكيها أهل حلفا.. والتى تدل ليس على طيبة أهل السودان فقط ، إنما أيضا على خدمة القديس الأسقف الراحل لأهل حلفا رغم إنهم لا يعرفون من هو ؟.. لأن الناس كانوا يحكون عن كراماته المتعددة.. والأمر أولا وأخيراً يرجع إلى قوة الله العجيبة التى تجعل من قديسيه شاهداً على هذه القوة...
|