|
Written by Administrator
|
|
Thursday, 02 April 2009 17:19 |
|
النوبة ملوكا وشعبا القمص فيلو ثاوس فرج الجزء السابع . النوبيون والنوبة أصل النوبيين : إن كلمة نوبة هى كلمة قبطية قديمة تعنى الذهب..والنوبيون هم الذين يعيشون فى النوبة بلاد الذهب.. وقد سأل الأب جيوفانى فانتينى من هم النوبيون القاطنون فى وادى النيل اليوم وما موطنهم الأصلى وقدم الأب فى كتابه" القيم تاريخ المسيحية فى المماللك النوبية القديمة والسودان الحديث " .. وهو كتاب مهم لأنه حتى الآن يعد الكتاب الوحيد الذى وجه الأنظار الى تاريخ المسيحية فى السودان..ولقد تجول جيوفانى وذكر آراء مختلفة للإجابة على سؤال من هم النوبيون نلخصها فيما يلى : 1. يقول البعض: إن أهالى النوبة هاجروا من جنوب كردفان إلى وادى النيل رويداً رويداً على مدى القرون.. وأهم إثبات لهذا الرأى التشابه والإتصال بين لغة النوبيين من دار المحس ودنقلا ولهجات مختلفة عند أهالى جبال النوبة وبعض مناطق دارفور.. 2. ويقول البعض الآخر: إن النوبيين هاجروا إلى وادى النيل قادمين من ليبيا عبر الصحارى.. ويحاول الأب أن يؤكد صواب الرأيين معاً رغم إختلاف الروافد فيهما ثم يقول : إنه لاشك إن كلمة "نوب" ترتبط بكلمة مصرية قديمة معناها الذهب ومن الممكن إن المصريين القدماء الذين كانوا على يقين من أن فى هذه البلاد بعض معادن الذهب أطلقوا إسم نوب على كل البلاد الواقعة جنوب أسوان كما إن الأقباط وهم أحفاد الفراعنة أطلقوا إسم "آنوبة " على أهالى جنوب أسوان فسماهم العرب نوبة.. أما الكتاب اليونانيون فسموهم نوباى ،ومما لاشك فيه إن أرض النوبة سميت كذلك نسبة إلى أهالى نوباى المقيمين بها.. 3. يذكر بروكوبيوس المؤرخ وبعض كتاب اليونان والسريان منذ القرن الرابع الميلادى إن أهل نوباطى هم شعب قادم من المغرب رحل من واحة إلى واحة حتى إستقروا فى منطقة النوبة بوادى النيل.. وهنا يتساءل الأب المؤلف : هل ينسب النوبيون المعاصرون فى وادى النيل إلى أهالى النوباى القادمون من جبال كردفان أم إلى النوباطى الزاحفين من المغرب ؟.. ويحار فى الإجابة ويرى فى كلا الرأيين بعض الصواب.. 4. يذكرالعالم الجغرافى اليونانى أرتستطينوس حوالى عام240 ق.م إنه يقطن أهل نوباى الضفة الغربية للنيل ما بين مروى كبوشية والدبّة.. وبهذا يكون أول من ذكر نوباى.. وهو يقصد هنا صحراء بيوضة ويقول : إن النوباى خاضعون لملك مروى كبوشية ، وأنا أتساءل:ماذا يمنع أن تكون نوباى هى النوبة نفسها ؟.. 5. المؤرخ إسترابيون الرومانى الذى زار النوبة سنة 27 ق.م فى صحبة الجيش الرومانى قد قال : إن النوباى فى عصره كانوا يملكون الأرض بين مروى كبوشية وشلال أسوان الأول.. وهنا يستنتنج فانتينى إن النوباى زحفوا شمالا منذ زمن أرتسطينوس.. أما نحن فنرى إن هذا يؤكد أن النوباى هم النوبة وعلى الأخص إن الكتاب اليونان يصرفون الأسماء ويزيدون عليها أو ينطقونها نطقاً معيناً..6. يقول " بلينيوس" وهو كاتب رومانى حوالى سنة 70م : إن النوباى كانوا يملكون ضفتى النيل غرباً وشرقاً.. وكان مركزهم جزيرة "نتوبسيس" وهى جزيرة أرقو حالياً وهذا يذكره أيضا كتاب الجغرافيا لبطليموس سنة 150م..7. فيما بين سنة 280 م وسنة 297 م.. كانت قبائل "البلميين" وهم فرع من قبائل البجة تحارب أهالى النوبة القاطنين فى وادى النيل وتغزو الريف فى صعيد مصر ولم يستطع الإمبراطور الطاغية دقلديانوس أن يقاوم الغزوات البلمية ،ولهذا تخلى عن الحدود القديمة وإنسحب إلى شلال أسوان وأخلى المنطقة الواقعة بينهما ليسكنها البجة ثم دعا النوباطى أو النوبطاى من واحة الخارجة طالباً إليهم أن يسكنوا وادى النيل ليفصلوا بين أرض البلميين البجة ومنطقة مصر فيكونوا درعاً واقياً على حدود الإمبراطورية جنوباً.. وهذا يوضح لنا كيف كان رجال النوبة القدماء محاربون أقوياء يرفضون الإستعمار ويقفون بقوة ضده.. ولا تكون هناك فرصة للعدو سوى التحالف أو التهادن أو التعاقد التجارى.. وقد تعهد دقلديانوس أن يدفع المال للبجة والنوباطى لكى يسكن البجة فى موقعهم ولكى يدافع النوبة عن حدود مصر وإستمر هذا التعاقد حتى سنة 350 م.. 8. فى بعض الوثائق اليونانية يذكر إن بعض المعارك نشبت سنة 454 م بين النوباط والبلميين أى النوبة والبجا.. وكان البجة يحاربون النوبة رغبة فى الإستيلاء على جزيرة فيلة بأسوان وهى مركز سوق تجارى كبير بين مصر والنوبة ..9. يرى الأب فانتينى إن أهل النوباى زحفوا من كردفان شمالا وإختلطوا بالأهالى المحليين الذين كانوا من أصل مروى.. وكان أهل النوباطى القادمون من واحة الخارجة نفر قليل تمكنوا من السيطرة العسكرية ، ولكنهم خالطوا النوباى ونسوا لغتهم وإستعملوا لغة أهل النوبة ..رأى آخر : ولى رأى آخرفى هذا الموضوع فالنوبة هى نفسها النوباى .. والنوباطى .. ولا مانع عندى أن يأتى مهاجرون من خارج بلاد النوبة سواء من الواحات أو كردفان أو المغرب العربى.. ولكن النوبة هى النوبة التى دعاها الفراعنة بهذا الإسم.. والرأى المقبول هو إن الفراعنة كانوا أقوياء.. وقوة الملوك جعلتهم يغيرون بالغزوات جنوباً ليحكموا النوبة وهذه القوة ذاتها جعلت بعض المصريين يهاجرون من بلادهم نحو الجنوب ولديهم النيل أصل الحضارة.. وكان المهاجرين ذكوراً تزاوجوا من بنات النوبة.. وإختلطوا بهم وعاشوا معهم وكونوا معاً حضارة وادى النيل تلك الحضارة الأصلية التى فهمت الحياة وأدركت ما بعد الحياة .. وعاشت القيم الدينية وعملت بالرعى وبالزراعة على شطآن النيل فى جو واحد..وطقس واحد..وشهور زراعية واحدة..وأناشيد واحدة للزرع والحصاد ... .55 تحت رمال فرص غرب إنقاذ حضارى :عندما أطلقت مصر ندأها بأنها سوف تبنى السد العالى..كان الوقت صعباً والتحديات أمام مصر قاسية..ولكن الزعيم المصرى جمال عبد الناصر كان قوياً أمام هذه التحديات وكان يحلم أحلاما كبيرة.. وكان يتوقع إن السد العالى سوف يحفظ مصر من مشاكل ندرة المياه.. وسوف يوفر الكهرباء.. وكان ينادى أن تدخل الكهرباء إلى كل شبر فى البلاد..وكان للتحدى قوة..وبدأت اعمال السد العالى ولكن منطقة النوبة التى سوف يغمرها مياه السد كانت تحتاج الى إنقاذ.. وبدأ الإنقاذ الحضارى لحضارة كوش القديمة والتى من خلالها أكتشفت عناصر هذه الحضارة التليدة.. لم يكن أحد يعرف عن السودان شيئاً.. فلقد كانت مملكة كوش هى مملكة السود أو مملكة الأساود.. كما كتب العرب والأساود هنا جمع أسود وفى رأيى إنها جمع أسد .. فلقد كان الكوشى أو الأثيوبى أو الحبشى القديم أسد يحمى عرينه.. وكانت حدوده ممتلئة بالحصون.. وكان من يفكر فى غزو أراضى كوش يلقى أمامه سدوداً وقيوداً وأسوداً يدافعون.. لايملكون سلاحاً سوى النبال فهم رماة الحدق..وليس لديهم سوى إستراتيجية دحرجة العدو إلى ديارهم ويدخل العدو ولكن لا يعرف أن يخرج.. وكانت عواصم البلاد بها أسوار قوية ومنيعة مثل سور الصين العظيم.. كانت أغلب المبانى تبنى بالطوب الأخضر أو اللبن.. كان الطوب الأخضر متماسكاً ، لأنه يصنع من ماء النيل.. ومن طمى النيل الممتلئ بالغرين.. ومن بقايا القمح والقطن التى تجعله متماسكاً مثل التسليح.. وعرف أهل كوش الطوب الأحمر فهو حضارة قديمة عرفها الإنسان منذ بناء برج بابل عندما بنى الإنسان لنفسه مدينة تطال السماء وصنعوا لأنفسهم إسماً.. وكان البرج لكى ينجو من مياه أى طوفان قادم ، فتم شوى الطوب اللبن حرق هذا الطوب ليخرج الطوب الأحمر قوياً ومتماسكاً.. كل هذه الحضارة الكوشية دفنت تحت الرمال.. وعندما جاء الغزاة إلى كوش جاءوا بأسلحة متقدمة..ووالت دولة النوبة..ومات ملوكها..وإنقسم شعبها.. وتركت حضارتهم للهواء والرمال فإنطمرت تحت رمال المنطقة وكثبانها حضارة قديمة.. كانت تحتاج إلى الإنقاذ.. وجاء بناء السد العالى لكى يلتفت العالم كله إلى إنقاذ آثار النوبة.. وتجاوب العالم المتحضر مع النداء.. وجاءت العديد من بعثات الآثار لتكشف وتكتشف ما كنا نحن فى إحتياج إليه.. وعاش سكان حلفا مآساة التهجير، وكتب البعض عن هذا مجرد مقالات ، ولكن مفوض أو معتمد التهجير حسن دفع الله كتب كتاباً كاملا مثل اليوميات يتحدث فيه عن صدمة التهجير لمجتمع عاش فى منطقة متفردة وذهب إلى مكان آخر لا وجود فيه لنهر النيل.. ولا غابات نخيل توفر جهد العمل.. بل بحسب تعبيره ، لم تعد آثار أجدادهم تحرس أعتاب الأبواب ..رمال فرص : وفى الثانى من فبراير لعام 1961 وتحت قيادة عالم الآثار ".. ميكالوسكى " بدأ العمل فى "فرص غرب " وكان الموقع يقوم على تل رملى بشاطئ النهر شرق قرية فرص لا يميزه ما يسترعى الإنتباه سوى غرفة من حجر كان " العمدة صلاح " يستخدمها مضيفة لإستقبال الضيوف.. لم يكن ولا غيره يدرى إن هناك كنوزاً تحت هذه الرمال.. وإن الحجرة نفسها شهدت حضارات قديمة بعضها موغل فى القدم وبعضها يرجع الى أكثر من قرن من الزمان .. فهذه الحجرة نفسها وعندما بدأت الأبحاث عرف عنها إنها كانت نقطة مراقبة بنيت عام 1888 لكى تقف سداً منيعاً حتى لا يتقدم عبد الرحمن النجومى نحو توشكى.. هذا عدا إن البعثة البولندية كانت على علم بأمر كنيسة فرص العتيقة مغمورة تحت هذه الرمال.. وتمت إزالة الغرفة.. وبدأ الحفر.. وإرتطمت معاول الحفارين بحائط الكنيسة وظهر المدخل الرئيسى لكنيسة فرص والمبنى بالطوب الأحمر على شكل قوس أو ما يسمى آرش..وإستمر الحفر وإزالة الرمال عدة أشهر حتى يظهر البناء وقد كانت كنيسة فرص قد بنيت من الطوب الأخضر والأحمر..ويقولون:إنها بنيت على أنقاض معبد قديم.. وكانت جدران الكنيسة من الداخل مطلية بالجير الأبيض وعلى سطحها رسوم بالغة الجمال لونت بجير أبيض.. وظهرت لوحة السيدة العذراء التى لقيمتها الغالية تم عرضها فى نيويورك.. وكانت كنيسة فرص معرضاً للوحات الجميلة وتخصص "جوزيف قازى " البولندى فى كشط الرسومات من على الحائط بإستعمال الفرشاة ومعاملة الرسومات بسائل كيماوى وغطاء من قماش.. ومحاولة كأنها بيد جراح يرفع الشاش من جرح دفين.. وكان كلما أزيحت رسومات ظهرت أخرى من تحتها.. وهذا يعنى أن الرسومات كانت تطمس معالمها ثم تقام عليها رسومات أخرى.. وإنتزعت ست وثمانين لوحة دون أن تكون هناك خسارة ولا للوحة واحدة .. وشحنت إلى الخرطوم لكى تصبح نوراً باهراً لكشف حضارة مجيدة.. لكنيسة فرص التى يرجع تاريخ تأسيسها الى سنة 600 ميلادية.. والتى وجد فيها عظام بيضاء لجثة أحد المطارنة فى قبر داخل الكنيسة من المدخل الشرقى.. وهذه عادة فى كنيسة الإسكندرية لم تزل حتى الآن وقريباً دفن مطران الخرطوم الأنبا دانيال فى داخل كنيسة العذراء التى تطل على النيل سمواً ورشاقة وشهادة إستمرار إختبارات حضارية .. .56 بعثات للتنقيب فى آثار النوبة إهتمام عالمى : تجاوبت بلدان العالم مع نداء السودان لإنقاذ آثار النوبة .. وكان هذا الإهتمام العالمى سبباً فى الكشف عن تاريخ السودان القديم..وأغلب الكشوفات كانت عن العصر المسيحى فى السودان والذى غطى ألف عام من تاريخنا.. وكشفت الآثار عن الجانب الروحى لأبناء السودان الذين أحبوا بفطرتهم العبادة وإختاروا التدين وتعمقوا فى عالم الروح وسعوا نحو الأبدية سعياً حثيثاً.. وكانت مقابرهم وما فيها من آثار هى الدليل على الإستعداد لحياة أخرى بعد الموت.. وقد أكتشفت أجساد موتى لم تتحلل بإعتبار هذا نموذج للأبدية القادمة التى سوف يحيا فيها الإنسان بالجسد والروح عندما يتم البعث وتدخل الروح إلى الجسد وتبدأ بعد هذا الحياة الأبدية.. وقد إتسمت عبادة أهل النوبة بالنسك والتقشف حتى إن بعض الملوك إعتزلوا عن العالم وتركوا عرش الملك وعاشوا لله يبحثون عن خلاص أنفسهم.. كما كشفت آثار التنقيب عن وطن يزود عنه المواطن بكل قوته فى الإستراتيجية دفاع عن الوطن فى حصون وقلاع.. وشباب هم رماة الحدق يحملون المقلاع لكى يدافعوا به عن الوطن ضد أى عدو يهجم عليهم من أى ناحية.. كما كشفت الآثار عن لوحات من الفخار..وآوانى متحضرة من الفخار الذى يعد صحياً من كل النواحى وكشفت أيضا عن أيقونات جميلة رسمها الفنان النوبى فى الكنائس ونقشها كلاماً وصوراً على الحوائط .. ونذكر هنا ما لم نذكره عن بعثات التنقيب فى آثار النوبة.. قامت البعثة البريطانية بأعمال الحفر فى مدينة بوهين الآثرية وفيها تم الكشف عن كل بقايا الحصون الحصينة التى أقامها أهل النوبة لحماية بلادهم.. وبعد رفع كثبان الرمال تم كشف الحصون وكل ما فيها من أنظمة دفاع.. ويعد هذا الكشف رسم لإستراتيجية الدفاع عن كوش ليس فى الحصون فقط ، إنما فى الفتحات الدائرية التى يستخدمها رماة السهام.. وقد قدرت كميات الطوب التى أستخدمت فى هذا المبنى العسكرى بنحو خمسة عشر مليون طوبة من القطع الكبيرة..وفى نفس الموقع تم كشف تاريخى على عظام بيضاء لهيكل عظمى لحصان مطمور فى زاوية من زوايا إحدى الأجزاء الدفاعية بين الرماد تحت طبقة من الرمل على عمق متر ونصف.. ولم يكن هناك شك لدى بروفسور أميرى : إن الحصان نفق عندما نهب الكوشيون المدينة فى عهد المملكة الوسطى .. وقد أثبت البروفسور نظريته التى تقول إن أفريقيا عرفت الحصان قبل قرنين من غزو الهكسوس لمصر وهذا يعنى أيضا أن الراى الذى يقول : إن الهكسوس هم الذين جلبوا الحصان إلى أفريقيا رأى غير صحيح.. ويرى بروفسور نجم الدين شريف عالم الآثار السودانى إن عظام هذا الحصان وجدت تحت رسوبيات مرتبة طبقة على طبقة.. وتحت طبقة من الرماد والفحم.. وهذا يؤكد إنها بقايا حرق القلعة عندما أقتحمت عام 1675 ق. م.. وتشير إختبارات الكربون المشمع التى أجريت لهذه المواد فى معامل المتحف البريطانى إلى صحة التاريخ الذى نستخلصه لهذا الحصان من الشواهد الآثرية.. وقد كان الحصان فى ممالك كوش كثير الإستعمال مع الناقات والجمال.. ويذكر لنا التاريخ إن الملك قرياقوص عندما غزا مصر لكى يخرج بابا الإسكندرية من السجن جاء إلى مصر عن طريق أسوان فى حملة قوامها مائة ألف فرس.. ومائة ألف فارس.. ومائة ألف ناقة..ونزل فى مكان سماه العرب " بركة الحبش " ويصف الشماس كاتب سيرة البابا الإسكندرى إن هذه الأحصنة كانت لها شكل مميز ولم تكن مرتفعة ، إنما قريبة فى إرتفاعها إلى الحمير.. وزادت قيمة أبحاث وتنقيب البعثة البريطانية إكتشاف جمجمتان لفرس النهروبقايا مصنوعات من الحديد الصلب والنحاس ومئات من القوالب الطينية التى يصب فيها الحديد المذاب وأكداس من خام الحديد يرجح إنها أستجلبت من جبال بالقرب من قرية عكاشة عرفت بأن صخورها غنية بمكونات الحديد.. وتم العثورعلى جرتا خمر لهما سدادتان من طين تشيران إلى تاريخ ومكان صنع الخمر.. كما تم إكتشاف نفق تحت الحائط الشرقى يبدأ من داخل المدينة وينتهى عند النهرويستخدم لنقل إمدادات المياه للمدينة عند حصادها.. وتم الكشف أيضا عن مبنى رئاسة قوات الشرطة والذى يتميز بدرج يقود إلى إستحكامات الحصن.. كما كانت مدينة بوهين مزودة بنظام ملائم لتصريف المياه يصب فى النهر.. هذا عدا معبد بوهين الضخم.. وهنا نرى كيف كانت حضارةالنوبة تنظيماًو تخطيطاً، وبوليساً للحماية.. وحصون.. وأنفاق.. وتصريفات للمياه.. البعثة اليوغوسلافية.. والتى جاءت موفدة من حكومة يوغوسلافيا والتى زار رئيسها المارشال تيتو موقع وادى حلفا أثناء حملة الإنقاذ.. وقد تمكنت هذه البعثة من نقل رسومات جدران كنيسة عتيقة فى قرية عبد القادر..وهذه الرسومات هى حتى الآن فى المتحف القومى بعد كشطها عن الجدران ونقلها إليه.. ولم تزل هناك إكتشافات قامت بها بعثات أتت إلينا من بلاد العالم لتساعدنا فى إنقاذ آثار حضارة سحيقة وعتيقة هى حضارة كوش فى بلاد النوبة المتآخمة لمصر والتى إمتدت جنوباً حتى الصومال حكماً وإدارة ونظاماً دقيقاً.. وحضارة إستقرت بجوار مجرى النيل.. 57.آخر ملوك نبتــة عصر نبتة: يرى المؤرخون إن عصر نبتة متلازم مع بدء الأسرة الثامنة عشر حتى نهاية الأسرة الخامسة والعشرون فى مصر ، بدءاً من عام 1600 ق.م.. حتى 644 ق.م.. وتُعد نبتة أول عاصمة لدولة كوش فيما أسماه المؤرخون النوبة العليا والتى تمتد من منطقة إلتقاء النيلين عند المقرن الآن إلى دنقلة ، وهى منطقة تعتمد على الزراعة بمياه نهر النيل.. وتقع نبتة أو نباتا عند سفح جبل البركل قريباً من الشلال الرابع ، وهناك من يرى ان حضارة نبتة بدأت بوجود عدد من المصريين فى النوبة.. حياةً وإستقراراً ، وقد أتوا يحملون ثقافتهم ومعداتهم وعبدوا آلهتهم الخاصة بجوار الآلهة المحلية ، وإن كان الدكتور محمد إبراهيم بكر فى كتابه " تاريخ السودان القديم" يرى إن موضوع إستيطان عدد من المصريين فى بلاد النوبة فى آوائل أيام الدولة الوسطى ما زال يحتاج إلى مصادر تاريخية أوفى وأشمل حتى يمكن أن تقال فيه الكلمة الآخيرة .. ويؤكد هذا بأن الجنود الفراعنة هناك ما يؤكد عودتهم بعد الحملات الحربية ، ولكن من ناحية أخرى عدداً من ألواح بوهين تؤكد إستيطان عائلات مصرية فى النوبة.. بل إن هناك عدد من القلاع فى السودان أقامه المصريون مثل السبعة عشر قلعة التى أقامها ملوك الدولة الوسطى فى النوبة السفلى لتأمين الحدود والحملات التى قامت بها الأسرة السادسة عشر ، وهى ثلاث حملات، الأولى الحربية ، والثانية والثالثة لإستخراج الذهب والمعادن.. وكان هناك بعض الجنود المصريين رابضون لحماية القوارب عندما تمر بين صخور منطقة الجنادل وحماية الحدود أيضا.. أما القلاع فقد عثر على بردية بأسمائها مثل سمنة وقمة داورن آرتى وشلفك ، تقع غربى النيل فى مواجهة فرص ومرقسة وعتيبة ميعم ، وباكى كوبان وبجة.. وكل هذه الأسماء تحتاج إلى مزيد من البحث وأحاول أن أعرف معنى مرقسة ، هل هو إسم جديد بعد كرازة مرقس الرسول فى القرن الأول المسيحى أم إنه إسم قديم.. وأرى إنه لا مانع من أن يقيم المصريون فى كوش ، وعلى الأخص لأنه لم تكن هناك موانع للسفر ولا حدود ، ولا قيود على إقامة الأجانب ، ولأن كل وادى النيل يشكل شريطاً ممتداً على النيل.. وأرى أيضا إنه لا مانع أن يكون أهل كوش أنفسهم هم الذين بدأوا حضارتهم وأسسوا دولتهم المستقلة بفكرهم المستقل وبتعاونهم معاً ، وبظهور حكام كوشيون أقوياء يقدرون على إدارة الدولة مثل : بعنخى مؤسس كوش.. وأرى إنه أيضا لا مانع من الإستفادة من وجود الفراعنة ، ولكن لا يمكن أن يقال إنهم هم أصحاب فكرة دولة سودانية قوية..طهراقا وميامون : ومن أشهر ملوك كوش بعد الملك بعنخى ، يأتى الملك ترهاقة أو طهراقا ، وهو الملك السودانى الذى طهّر مصر من العصاة ، ودعا أمه من أثيوبيا وجعلها ملكة على الوجه البحرى والقبلى، وسماها سيدة الأمم، وكتب على جدران هيكل جبل البرقل إسم مصر من بين البلاد التى خضعت لصولته.. وظل هذا حتى مجىء ملك آشور فاتحاً ، والملك السورى إسمه " آشور أخى الدين ".. والذى تحمل الآثار أدلة على إنه فتك بمصر وأثيوبيا ، ولكن أخى الدين أصيب بمرض عضال ، وهنا حاربه ترهاقة.. وفى المتحف المصرى فى الجيزة رأس تمثال من الحجر الجرانيت الأسود قالوا : إنه رأس طهراقا لمشابهته لصورته المرسومة على الآثار ، وهو مستدير الوجه واسع العينين ، ممتلىء الخدين ، بارز الشفتين مع إنقلاب خفيف فيهما وفطس قليل فى الأنف ، وبالجملة فإن ملامحه تحاكى ملامح النوبة الحاليين.. وبعد طهراقا يأتى صهره " أورد آمن " ملكاً على عرش أثيوبيا ، وكانت مصر قد إستقلت عن أثيوبيا وبعده أتى الملك " نوات ميامون " صاحب الأحلام السعيدة ، والذى رأى رؤيا فسرها له المفسرون ، بأنها تعنى إنه سوف يخضع الوجه البحرى والوجه القبلى لمملكة كوش.. والرؤيا هى : إنه رأى ثعبانان ، واحد عن الشمال ، وآخر عن اليمين.. وقد بدأ فعلا فى حملة حربية لغزو الوجه القبلى ، وسانده عدد من أهل كوش كانوا يعيشون هناك، وطبعاً هو من جنسهم ويستحق المساعدة والمساندة.. وإستولى الملك السودانى على الوجه القبلى بدون قتال.. وبعد هذا غزا الوجه البحرى ، وعندما عارضه الأمراء هناك ردهم القهقري، وأعادهم خاسرين.. وفى إجتماع للأمراء فى مصر رآوا إنه من الحكمة الخضوع للملك الكوشى ، وكانت المشورة للأمير بكرو ، وقبلوا المشورة وأتوا خاضعين مطيعين ، وإنشرح صدر الكوشى ونقش هذه القصة فى حجر وُجد فى أطلال مدينة نبتة بجبل البركل 1863 م.. ومحفوظ حتى الآن فى متحف الجيزة ..وفى النقش قصة ميامون وعلمه وإنتصاره ، وتركه أمراء مصر يحكمون مصر تحت مراقبة من رقباء كوشيون يحددهم ملك كوش.. بل إن الأمراء كانوا يأتون ويخاطبونه فى رجاء يطلبون أن يجعلهم بين رعينه تحت لواء مُلكه.. وفى الوثيقة إن الملك " نوات ميامون " سلالة الشمس ، دام بصحة وعافية وعيشة راضية ، ودام له المُلك أبد الدهر.. هذا ما تقوله الوثيقة ، ولكن لمن يدوم المُلك إلا لله ملك الملوك ؟.. لقد تجمع وجهاء مصر وثاروا على الملك الكوشى ، وطردوا الأثيوبيين وقسموا مصر بينهم ، إثنى عشر مقاطعة ، وكانوا هم إثنى عشر أميراً فى الوجه البحرى.. وبعد هذا قام " باسماتك" وإستبد بالمُلك وحرر الوجه القبلى لصالح مصر ، وأعاد الحدود المصرية إلى أسوان .. وبهذا إنتهى حكم السودان لمصر الذى إستمر 49 عاماً ..ويرى نعوم شقير : إنه كان حكماً عادلا ، ولكنه لم يكن مقبولا ، لأنهم غرباء عن مصر بينما يرى آخرون إنه كان مقبولا لأهمية الجوار ، وإن مصر رفضها كان أشد لغزاة أخرهم الهكسوس.. 58.أهلا بأمريكا فى الخرطوم حكماء الخرطوم : أنا أحب الحكمة..وأعتز جداً بالحكماء..وأذكر دوماً حكمة الكتاب والأدباء والدعاة والأنبياء.. ولا أنسى حكمة سليمان فله كلام كثير عن الحكمة.. وأيضا يشوع بن شيراخ.. وكلهم يطالبون الناس أن يكونوا حكماء.. فالحكيم يعرف متى يتكلم ومتى يتوقف عن الكلام.. والحكيم يضبط نفسه ويحكم نفسه.. وحاكم نفسه خير من حاكم مدينة.. والحكيم لا ينفعل بالسوء ولا يدخل فى بؤرة التوترات ويتجنب دائرة فقدان الأمل.. ولا يعامل القضايا بالإنفعالات ، إنما بالدراسات المتأنية.. وعندما تغيب الحكمة يغيب العقل..الحكيم ينظر الى الأمور بنظارة أخرى هى نظارة نقية طاهرة تجعله يفكر دوماً فى الجانب الآخر لكل أمر..ولسان الحكماء يحسن المعرفة وفم الجهال ينبع حماقة.. وهدوء اللسان شجرة حياة وإعوجاجه سحق فى الروح.. والرجل الحكيم كلامه لين وسهل وجميل .. والجواب اللين يصرف الغضب والكلام الموجع مهيج السخط .. وحكمة المرأة تبنى بيتها والحماقة تهدمه بيدها.. والحكيم يخشى الرب ويحيد عن الشر والجاهل يتصلف ويتحامق..وفى مخافة الرب وهى رأس الحكمة ثقة شديدة لأن مخافة الرب ينبوع حياة للحيوان عن أشراك الموت.. ولأن القليل مع مخافة الرب خير من كنز عظيم مع هم.. ولأن الإبن الحكيم يسر أباه.. والحكيم يقبل حتى التوبيخ لأنه لا يتشامخ.. ولأن الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكماء.. والإنتهار يؤثر فى الحكيم ولأن البطيء الغضب خير من الجبار.. ومالك روحه خير ممن يأخذ مدينة.. ولقد سمعت الخرطوم بتعيين مبعوث أمريكى للسودان .. وعندها قامت الدنيا ولم تقعد.. وفى سماء الخرطوم أمطرت التصريحات العديدة مثل أمطار الخريف وكلها ضد المبعوث الأمريكى ضد الفكرة وضد الشخص نفسه.. ولكن الحمد لله فى الخرطوم حكماء تمكنوا من أن يخرجوا من هذه التوترات .. وكان حكامنا حكماء عندما رحبوا بالمبعوث الأمريكى.. ورحبوا بحضوره بيننا ومهدوا له السبل.. وعندما أتى حول تشاؤمنا الى تفاؤل وكنت أظن وحدى أقف وحيداً فى صفوف المتفائلين ، ولكنى سمعت الرئيس يرحب به ترحيباً شديداً.. وسمعت وزير التخطيط يقول عنه : إنه أتى بقلب مفتوح.. وسمعت وزير الخارجية يرى إن هذه خطوة نحو إعادة العلاقات مع أمريكا والحمد لله أن صار حكامنا حكماء يحكمون الأمور بالحكمة ، وليس بالإنفعالات.. فالإنفعالات زادت من التوترات وظن البعض إنه يقدر أن يزيح غيره من خريطة العالم.. بينما نحن نحتاج لبعضنا البعض .. ولن يكون العالم عالماً بدون تضافرنا معاً.. وعلى كل حال أهلا بأمريكا فى الخرطوم.. ولقد أسعدنى المبعوث بزيارة شخصية فى كنيسة الشهيدين لمدة ساعة فى أول يوم له... حكماء أمريكا: وأمريكا أيضا موطن الحكماء فالذين ذهبوا الى أمريكا وصنعوها هم أناس حكماء صبروا وتحملوا وتألموا وانتظروا..وخططوا ونظموا..وشيدوا عالماً جديداً طموحاً مجيداً.. وأنا أعلم من واقع الإحصائيات إن نسبة المتدينين فى أمريكا كبيرة جداً والذين يؤمنون بوجود الله يقتربون الى 93% وأعلم عن وعاظ كبار دعاة دين يقيمون عظات يحضرها من الآلاف العشرات.. وفى العظات يعلن الكثيرون التوبة ويقبلون الحياة الجديدة ويكتبون اليوم الجديد الذى تابوا فيه.. ويتركون كل آثار الماضى فعلا ويتقدمون فى النعمة ثم يدعون أخوانهم الذين شغلتهم الدنيا لكى يعودوا تائبين الى الله ولأنهم ذاقوا حلاوة العشرة مع الله يقدمون الدعوة للآخرين " ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب.. وأعلم عن أمريكا إن فكرة " المعونة الأمريكية " ليست فكرة إستعمارية كما يقولون ، إنما أعلم إنها عطاء للرب .. وكما يقدم المؤمن العشور عطاء للرب أى نسبة عشرة فى المائة من دخله قال حكام أمريكا : إن الدولة أيضا ينبغى أن تدفع العشور وبدأ هذا على يد أيزنهاور الذى إعتقد إنه كان خادماً للرب.. فقد عرفته عن طريق تأملات روحية فى الكتاب المقدس سمعتها منه فى طفولتى.. وأمريكا اليوم يصمم الحكماء فيها على أن تكون بلادهم راعية لحقوق الإنسان.. ولهذا تقف أمريكا ضد الحكام المستبدين فى العالم.. وربما نقول لماذا لا نترك الحكام المستبدين للمحكومين ؟.. ولكن هل يقدر المحكومين البؤساء أن يصنعوا شيئاً سوى أن يصفقوا للحكام المستبدين ويسجدوا أمامهم لكى يتقوا شرهم ويعيشون فى حياة النفاق حتى يعتقد الحاكم المستبد إن له شعبية وإنه مقبول من الناس ؟.. إن أمريكا نجحت كثيراً فى أن تحاكم مجرمى الحرب.. وأن توقف بعض الحكام المستبدين عن إستبدادهم.. ونجحت فى أن تدير حواراً حول حقوق الإنسان وحول السلام.. فلقد تمكنت من أن ترعى سلاماً لمصر..وللأردن..والآن تحاول لسوريا.. ولقد وصل أهل فلسطين بالسلام الى وطن كانوا خارجين عنه وهم الآن فيه يدافعون عنه ويحاولون توسيع رقعته.. من خلال دعوة محبة للتفاهم..فى الخرطوم : واليوم أمريكا فى الخرطوم وسوف يتلاقى حكماء الخرطوم مع حكماء أمريكا وسوف يتفقون معاً.. فالتنويه بالخطر والتلويح بالعقاب ليس طريق الحكماء للإصلاح إنما سوف يأتى الصلاح والإصلاح بالفهم والمشورة والحكمة.. وسوف تمتلئ سماء بلادى بالخير لأهلها الذين صبروا كثيراً وعاقبة الصبر خير.. وخط المبعوث الأمريكى هو خط الحكماء وطريقته طريقة الفهماء.. والخير قادم والحرب سوف تتوقف والسلام سوف يعود بكم يا حكماء الخرطوم وحكماء أمريكا.. 59. أهل أم درمان إبراهيم دياب : كان لإعلان الخرطوم عاصمة الثقافة العربية وقعاً إستفزازياً لدى بروفسور أحمد إبراهيم دياب مواطن أم درمان الأول والمدافع عن حقوقها.. وهذا الإستفزاز مع أديب أخرج لنا قطعة أدبية عن أم درمان فى كتاب صغير عنوانه " أم درمان بقعة الأصالة والتراث والثقافة ".. وأعتقد إن هذا الكتاب خرج الى عالم الطباعة بسرعة ولو تآنى صاحبه لكتب مجلداً ضخماً فخماً عن أم درمان.. وكنت أود أن تسرى بركة الإستفزاز الى الجزء الثالث من العاصمة المثلثة الخرطوم بحرى ليكتب أحد علمائنا الأفذاذ عن الخرطوم بحرى عاصمة للحضارة وعلى الأخص إنه يسكنها الآن العديد من العلماء مثل : دكتور عون الشريف قاسم الذى يسكن حلفاية الملوك بقعة حضارة الملوك العظماء الأقدمين.. ويسكنها أيضا الأديب اللبيب الذى ينتشى بالأدب ويطرب للشعر بروفسور حسن أبشر الطيب.. والإعلامى اللامع الساطع الوزير الأسبق كما يقولون ، بل الإذاعى المبدع كما أرى بروفسور على شمو وكثيرون من أمثال هؤلاء العلماء.. وعندئذ سوف يتحدث أهل بحرى عن صبابى إسطفانوس وطاحونة مقار.. بل إننى أتمنى أن تصل أشعة هذا الإستفزاز الى باقى مدن السودان.. لكى يكتب أهلوها عنها وعن أصالتها.. وفى النهاية كل مواطن يعتز بمدينته ويدافع عنها ويرى إنها هى الأحق بعاصمة الثقافة ، إنما لا يفصلها عن السودان الوطن العظيم المعطاء الذى يتسع الى مليون ميل مربع ويتسع كل قلب فيه الى مساحة مليون ميل مربع من المحبة والشهامة والأمانه والعطاء وحسن الخلق.. فالسودان كان يعترض على إستبداد الحكام بأسلوب أدبى رفيع عندما يقول مثلا عن عمدة منطقة ما : إنه كويس وحسن ولكنه طول فى إشارة ضمنية الى ضرورة أقصائه عن العمودية وإعطاء الفرصة لغيره من الناس..أهل أم درمان : ويرى بروفسور دياب إنه ليس من سكان أم درمان بل من أهل أم درمان..لأن أم درمان تسكن قى قلبه وفى كيانه.. بل إنه يرى إن السودان كله إنصهر فى أم درمان.. وإنبهر فى البقعة .. وصارت أم درمان هى سودان مصغر..فيه كل السودان شرقه وغربه وشماله وجنوبه..لأن عطاء أم درمان هو عطاء للسودان ليس لأهل أم درمان ولا لمدينتهم..وفى أم درمان الهم الأكبر لأهلها العطاء وليس الأخذ..الشراء وليس البيع..البذل وليس الجمع والتكويم..وأهل أم درمان يرون إن أم درمان هى الأمل والأصل والقومية والهوية.. وأهل أم درمان ليسوا سكاناً وافدين أو عابرى سبيل إنما هم أهل الهوية والأصالة والقومية السودانية.. وبعد هذا يعدد بروفسور دياب عناصر الأصالة فى أم درمان قصصاً ومواقف وطنية فيقول :1. قامت أول ثورة من الفرق السودانية التابعة للجيش المصرى عام 1900 م ضد الإستعمار البريطانى فى أم درمان ورجال التمرد والثورة هم الذين أسسوا حى الضباط ..2. فى أم درمان نشأ أول معهد علمى دينى فى عام 1912م وذلك فى الجامع الكبير الذى بناه أهل أم درمان..وتحول هذا المعهد الى جامعة أم درمان الإسلامية فى عام 1965م ..3. ثورة 1924م السودانية قامت أول ما قامت مشرقة بشمس الحرية من أم درمان بقيادة أبناء من أهل أم درمان هم : على عبد اللطيف ، وألماظ ، والله جابو وغيرهم من الموردة..4. فى أم درمان قام أول تنظيم سياسى ضد الإستعمار البريطانى تحت إسم جمعية الإتحاد السودانى جمعية اللواء الأبيض بقيادة عبيد حاج الأمين من الهاشماب وبابكر قبانى من ود أرو..5. فى أم درمان بدأت أول مدرسة أهلية فى عام 1929م وتبرع بقيامها وبنائها أهل أم درمان .. ومنها سار التعليم الأهلى حتى وصل الى جامعة الأحفاد وجامعة أم درمان الأهلية..وأعتقد إن تعصب بروفسور دياب لأم درمان أنساه أن أول مدرسة أهلية نشأت فى سودان العصر الحديث أسسها الأنبا صرابامون فى سنة 1904م فى مبنى المطرانية وكان يؤمها أطفال النصارى والمسلمين وبعدها أغلقت المدرسة بسبب تعسر دفع مرتبات المدرسين وباع المؤسس حماره الذى يشبه مارسيدس زماننا هذا بمبلغ وقدره ستة جنيهات .. وذهب الى مصر لجمع التبرعات مبتدئاً بمدينة أسيوط ،حيث الأسقف زميله فى الرسامة وحيث الرأسمالية القبطية .. وجمع مبلغاً كبيراً يقال : إنه خمسة آلاف جنيه عاد بعدها ليفتتح مدرسة الكلية القبطية بنين والكلية بنات.. وكان يقوم بنفسه بتجهيز مواد البناء ، حتى إن الحاكم العام الإنجليزى زاره ذات أمسية وكان فى ملابس تجهيز مونة البناء.. وعندما تعرف عليه جلس معه وحاول أن يقدم له المساعدات المالية والعينية معجباً بإهتمامه ببناء المدارس.. ولكن الأنبا صرابامون الأول رفض مساعدة الإنجليز وكانت رؤياه إن مدارس الأقباط لا يبنيها ويشيدها سوى الأقباط.. وها هى مدارس الأقباط فى الخرطوم تفتتح من جديد على يد مطران الخرطوم الأنبا إيليا.. وبمساعدة الجمعية القبطية بالخرطوم..وهى الآن تستقبل الطلبة من مسلمين ومسيحيين لتعيد الماضى المجيد لأقباط السودان فى خدمة قضايا التعليم عملا بالمثل القبطى علموهم ولا تورثوهم..6. فى أم درمان الآن جامعة الأحفاد التى بدأت منذ أمد طويل كانت ترغب أن تولد فى رفاعة ،ولكن رفاعة إعترضت أن تكون مسقط رأس الأحفاد .. ورحبت أم درمان بهذا.. ونمت الأحفاد حتى صارت جامعة الأحفاد ويقول قائد أوركسترا الأحفاد بروفسور قاسم بدرى : إن الأحفاد خلوة ، وهو شيخها.. والحقيقة إنه شيخ وقور متزن دون لحية أو عمامة لأن وقاره ينبع من داخله ودينه ينبع من أعماقه..7. أشار بروفسور دياب الى مدرسة ست فلة أو الأم فلة جرجس ، التى أوقفت نفسها على تربية اليتامى وتأسيس المدارس وخدمت فى ميدان التعليم ..8. فى أم درمان كان مؤتمر الخريجين بداية لمولد الأحزاب السياسية..وفيها أول دار للرياضة ، وأول مكتبة وطنية.. ولك العتبى بروفسور دياب ونحن لن نرضى إلا إذا رضيت أنت بأن تعد مجلداً كبيراً عن أم درمان وفى الإنتظار.. 60.أميرة الدانمارك فى وادى حلفا جموع السياح : عندما أعلن عن بناء السد العالى ذلك المشروع العملاق والخطير إسترعت منطقة النوبة إهتمام كل بلدان العالم.. وأتى السياح من كل فج وصوب لكى يشبعوا رغبتهم فى حب الآثار العتيقة.. ونقل هذه الآثار الى مواقع أخرى..ورؤية ما تم من إكتشافات مذهلة يعود أغلبها إلى العصر المسيحى لمملكة النوبة..تلك التى لا يقل عمرها فى تاريخ السودان عن ألف عام ، بل يزيد وجاءت الآثار تؤكد حضارة كوش القديمة.. وعندما أتى السواح لم يجدوا أمامهم طريقاً معبداً.. كانت الرحلة تنتهى فى أسوان بمصر.. ثم تبدأ بعد هذا فى بواخر سودانية إلى وادى حلفا مروراً بأبى سمبل تأملا فى عجائب رمسيس الثانى فرعون مصر.. ولم تكن وادى حلفا مهيأة لهذا العدد الضخم من السياح الأجانب .. فكانوا يستعملون الباخرة القديمة " السودان " التى كانت تقف قبال حديقة الفندق.. وكان البعض يقضى يومين فى حلفا ثم يعودون إلى أسوان..وكان البعض يستخدم المراكب الشراعية النوبية ويعبر إلى آثار بوهين.. وكان البعض يستعمل عربات الأجرة إلى قرية " عبكة " لمعاينة حركة وجلال الشلال الثانى.. وكان السياح فى إعجاب يرون ما تم إكتشافه.. ويقفون أمام أعمدة المعابد القديمة.. وهندسة الكنائس الجميلة وما تم إكتشافه من صور وأيقونات وأدوات ومعدات كانت تحت أقدام سكان حلفا وهم لايدرون بها.. كانت المقابر تحوى كنوزاً لأجساد محتفظة بحالتها ولم تخترق البكتريا جزءاً منها.. كما عاينوا مستوطنات مسيحية وقلاع وحصون.. وأديرة.. والمنطقة كانت تستحق الزيارة.. وتسجيل هذا الزخم الهائل من الآثار.. وكما قال حسن دفع الله مفوض تهجير النوبة : إن الكنوز المدفونة التى بقيت تحت أقدام النوبيين لم تكن لتصل إليها الأيدى ، لولا إقامة السد العالى ، وقد كان ضمن من زاروا حلفا القديمة عدد من كبار الشخصيات العالمية يذكر منهم : المارشال تيتو يوغوسلافيا.. ودوق أدنبرة ،وبعض أفراد العائلة المالكة البريطانية ، والأمير برنارد الهولندى.. والروائى البريطانى الشهير سومرست موم ، ورئيس مجلس الشيوخ الإيطالى ، والأميرة مارجريت ولية عهد الدنمارك..الأميرة مارجريت : من بين البعثات لكشف الآثار، كانت بعثة مشتركة لعلماء آثار من السويد والنرويج والدنمارك وفنلندة وهى الدول الإسكندنافية.. وكان المشرف هو البروفسور " سييف سودربيرج " .. وكان التفتيش فى منطقة على الضفة الشرقية للنيل فيما بين فرص وجمى على إمتداد خمسة وخمسين كيلومتراً..وهى منطقة غنية جداً بالآثار وعثر فيها على قبعة من ذهب وأدوات متعددة ومتنوعة من المرمر والنحاس والفخار.. وأختام مستهلكة وجثمان إمرأة محتفظاً بملامحه.. كما إكتشف أن ضريح الشيخ " أويس القرنى " إنما يحوى أسقفاً من أساقفة النوبة يتدلى الصليب من صدره.. وكان إكتشاف هذا أمراً طريفاً وظريفاً.. وكان حكاية أهل وادى حلفا.. وفى يوم 11/11/1962 م ، تشرفت وادى حلفا بزيارة ضيفة كبيرة هى ولية عهد الدنمارك الأميرة مارجريت التى صممت على أن تشارك بعثة بلادها مشاركة شخصية والتى صممت على أن تحيا مع الناس حياة عادية.. ورفضت الإقامة فى فندق النيل وسكنت مع أعضاء البعثة فى منزل نوبى فى منطقة " ديبرة " كان مفروشاً بحصير محلى.. وإستمرت فى الرفض ، فرفضت حتى السجاد الذى أعده المفوض السودانى لغرفتها ، وفرشت الغرفة ببروش من جريد النخيل.. لقد أستقبلت الأميرة إستقبالا حافلا بالمطار، وعند وصولها الى دبيرة أهداها العمدة داؤد عبد الرحمن تمشياً مع عادات أهل النوبة طبقاً من السعف عليه عينات من التمر وحفنة من قمح محمص وبعض فروع من نبات الريحان الفواح وبعض من "الأبرى ".. وأهداها الناظر صالحين عقداً من السملوك.. وهذا كله فأل حسن وأمل طموح فى حياة زوجية ومستقبل سعيد.. وشعر أهل النوبة بفخر شديد لمشاركة الأميرة فى إنقاذ آثار أجدادهم أهل كوش.. وكان أعضاء البعثة يرتدون الزى السودانى.. وإستمرت الأميرة أربعة وثلاثين يوماً.. كل يوم تخرج مع أعضاء بعثتها الى المواقع فى سلوك متحضر.. وكان ختام إقامتها حفل إفطار صممت أن يكون فى سقفية واسعة معروشة بالقش.. وكان الطعام رغيف وفول فقط.. لاشك إن هذه الأميرة قالت لنا شيئاً من خلال بساطتها.. ولاشك إنها أيضا تقول شيئاً لحكام هذا الزمان .. 61.دارفور والماء والصخرة المقدسة دارفور الآن :إن دارفور جزء لا يتجزأ من السودان وهى تقع فى وسط السودان.. وفيها من المدن الجميلة الفاشر، وكتم ، وزلنجى ، والجنينة.. وفيها جبل مرة الجميل صاحب الإنتاج الجزيل من الفواكه ذات النكهة الخاصة ، وجبل مرة يمتد طولا الى مسافة مائة وعشرين كيلو.. ويمثل مقسم مياه بين النيل وبحيرة تشاد .. وفى الشمال الشرقى لجبل مرة ميدوب البركانى.. وفى دارفور عدد من الأودية الجافة وفيها قبائل الفور، والمساليت وزغاوة ، وميدوب ، وكثير من القبائل العربية وطبعاً الجنجويد وهم مركز الإهتمام .. ومركز المشاكل فى دارفور ويقولون : إنهم هم المشكلة وهم الحل كما قال المتنبى عن سيف الدولة: إنه الخصم والحكم.. ولقد حكم دارفور زنوج الداجو منذ أقدم العصور حتى القرن الرابع عشر كما تقول الموسوعة العربية الميسرة بإشراف محمد شفيق غربال.. وبعد الزنوج جاء حكم العرب وقد إستولى الزبير باشا على دارفور بإسم مصر وبعد هذا أخذها الدراويش 1883 م.. وآسروا حاكمها سلاطين باشا وإعترفت حكومة السودان بعد الفتح 1899 م.. بعلى دينار حفيد سلاطين دارفور سلطانا ثم عادت وحاربته بعد قتل على دينار 1916م.. ومايقال عن مملكة السودان يقال عن دارفور.. فلقد كانت دنقلا فى يوم من الأيام عاصمة المملكة السودانية القوية.. وكانت هذه المملكة مملكة مسيحية.. وهذا إن دارفور بصفتها جزء من مملكة السودان كانت مسيحية ويحتاج هذا الأمر إلى بحث أوسع ، ولكن هناك رواسب مسيحية عند أهل دارفور حتى الآن ، من بينها ما يحدث من إهتمام بالملاك ميخائيل وهو رئيس الملائكة المسئول عن أهوية السماء وثمرات الأرض والأمطار.. وحتى الآن عندما تبدأ السماء فى عطاء الأمطار يهتف أهل دارفور ويقولون : كيل كيل ياميكائيل بالمد الكبير.. وهكذا فى طقس الزفاف كما فى الصخرة..والإهتمام برشم الصليب على البيوت وعلى الماء وعلى جبهة الطفل المولود بالكحل وهذه العادة موجودة فى مناطق أخرى فى السودان.. حفلات الأفراح : وفى مراسم إحتفالات الزواج يتوجه العرسان فى موكب بهيج مع زغاريد الفرح يتزعمهم زعيم القرية.. يذهبون معاً فى إتجاه مكان يسمى الصخرة المقدسة وهى صخرة على رأس تل.. والصخرة هى رمز للسيد المسيح حيث يرى بولس الرسول إن الصخرة التى ضربها موسى فى البرية تشير إلى السيد المسيح ينبوع الماء الحى.. ويرمز للرب نفسه بالصخرة الرب صخرتى..إلهى صخرة ملجأى.. صخرة حصنك إلى صخرة أرفع منى تهدينى.. والصخور هى ملاجئ يجد فيها الإنسان راحته فى ظل صخرة عظيمة فى أرض معيبة أى مريضة والصخرة رمز الصلابة .. وتحطيم الصخور يمثل قدرة الله وكلمته والصخرة رمز للثبات والدوام حتى إن أيوب يقول : ليت كلماتى تكتب ، ياليتها رسمت فى سفر ونقرت إلى الأبد فى الصخر.. ودعا إيمان بطرس الرسول صخرة قوية يبنى عليها الإيمان المسيحى.. وقيل عن المسيح له المجد إنه الحجر الذى رفضه البناؤون..ويقولون: إن التعليم فى الصغر كالنقش على الحجر.. وقد دعى الله نفسه بأنه صخر الدهور توكلوا على الرب الى الأبد لأن فى ياه الرب صخر الدهور (أشعياء 4:26).. وهكذا تعد الصخرة رمزاً روحياً مقدساً.. ويعد الذهاب إليها توجهاً نحو بركة صخر الدهور، لكى تكون الأسرة قوية ، ولكى يكون بيت المؤمن بيتً مبنياً على الصخر، لا تزحزحه عواصف الزمن ،ولا أهوية الخطية ولا تراب الشر.. ولهذا يتخذ موكب بعض أهالى دارفور إهتماماً مباركاً ،حيث يذهبون إلى الصخرة .. وهناك يذبحون ضحية من الحيوانات ويؤخذ من دم الذبيحة بيد الزعيم ويبارك العروسين برشم صليب واضح بالدم على جبهتهما..ورسم صليب بالدم على الصخرة وبعدها يأخذ الزعيم قليلا من الطين ليذكرهما إنهما من تراب الأرض ويمسح جبهة العروسين وكتفيهما من الأمام ومن الخلف وصرتهما وركبيهما.. وأخيراً يربط برزمة من الأعشاب عنقيهما ومعصميهما وقدميهما.. وكل هذا من رواسب المسيحية فى دارفور، لأن مايحدث من تأهيل لعلاقة الزوجين ببعضهما فى الربط هو مثل طقس فك الحريرة بعد الزواج حيث يربط الرجل والمرأة بخيط من حرير، وبعدها يتم فكه بعد أن ربطهما.. وهو يشبه طقس تسليم الزوج لزوجته أمام هيكل الرب حيث يضع الكاهن يد العريس فى يد العروس ويغطيهما بلفافة مقدسة كرمز لأن العريس قد تسلم عروسه ومنذ هذه اللحظة هما مرتبطان معا.. أما مسح بعض أجزاء الجسم بالطين فهو راسب لسر الميرون أو التثبيت، حيث يتم رشم أجزاء الجسد ستة وثلاثين رشماً ، وبها يصير مختوماً ختماً قويأً لملك الملوك.. وطقس إحتفال الزواج عند الصخرة فى دارفور يعاد مرة ثانية عندما يرزق العروسان طفلا.. وترسم المسحات المختلفة على الأم.. وفى اليوم السابع من الولادة يكحل الطفل ويرسم على جبهته علامة الصليب بالكحل أيضا.. وهذه العادة لا تقتصر على دارفور، إنما تمارس فى مناطق أخرى من السودان.. وهذا الراسب المسيحى فى رشم الصليب وفى الصخرة وهى رموز مسيحية واضحة حتى إن هناك تقليداً يقول : إن بعض الكنائس كانت تحتفظ ضمن رموزها الحية بقطعة حجر من صخر كرمز للسيد المسيح والذى تنبأ عنه أشعياء ويكون مقدساً وحجر صدمة وصخرة عثرة.. والذى فى مجيئه الثانى سوف يكون صخرة صدمة لغير المؤمنين.. ويؤكد بولس الرسول إن إجتياز أجداده للبحر الأحمر، كان بمثابة معمودية وشربهم ماء الصخرة وحدهم فى رمز واحد إن آباءنا جميعاً كانوا تحت السحابة.. وجميعهم إجتازوا فى البحر.. وجميعهم إعتمدوا لموسى فى السحابة وفى البحر وجميعهم أكلوا طعاماً روحياً واحداً.. وجميعهم شربوا شراباً روحياً واحداً.. لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم.. والصخرة كانت المسيح (كورنثوس الأولى 10).. والماء هنا هو ماء الحياة.. وفى السودان إعتقاد بأن الماء يوحد الناس معنا حتى الغرباء عندما يشربون من ماء النيل مرة واحدة لابد أن يجذبهم هذا الماء ويعودون إلينا ثانية ليشربوا من ماء الحياة فى سوداننا الحى.. 62. حوقل والأسوانى ومملكة دنقلا حوقل الشيعى : خلال القرن العاشر وفد الى مملكة النوبة المسيحية رحالة هو إبن حوقل وهو كان شيعياً وداعية الإسلام على مذهب الشيعة.. وقد كتب عن زيارته وثائق تاريخية تلقى الضوء على تاريخ أجدادنا السودانيين فى مملكة النوبة وتحدث عن سوبا ودنقلا وبعض الشعوب المجاورة غير إنه يرى أن إنتظام أفريقيا بوجه عام لا يعتمد على شريعة دينية ولا على آداب وحكم ولا تقويم العمارات بالسياسة المستقيمة وقال : إن الأفارقة مهملون ، ولكنه إستثنى أهل السودان لأنهم نصارى يرتسمون مذاهب الروم ولأن أرض النوبة متاخمة لمصر..وأعتقد إن إبن حوقل رحالة ممتاز، ولكن ربما لم يجد الفرصة للتعرف على ثقافة أهل النوبة.. وهو وإن كان قد ميزهم عن غيرهم من سكان أفريقيا غير إننى أعتقد إنه لم يتعمق الأمر..سليم الأسوانى : أما سليم الأسوانى وربما يكون من سكان أسوان..وربما يكون له معرفه بأهل النوبة لأن أسوان كلمة فرعونية تعنى السوق وقد كانت هى مقر تبادل البقط كما كانت أيضا سوقاً متسعة بين مصر والسودان ، وربما إختاره المعز لدين الله الفاطمى ليحمل رسالة الى ملك النوبة ، لأنه يعرف الكثير عن أهل النوبة..وقد ترك سليم الأسواني عدة مقالات نذكر منها: 1. عن مملكة دنقلا: قال الأسوانى: وأول بلد فى النوبة قرية تعرف بالقصر من أسوان اليها خمسة أميال وآخر حصن للمسلمين جزيرة تعرف ببلاق..ويبدو أن بلاق هذه يقصد بها فيلة..ويقول الأسوانى : إن بينها وبين قرية النوبة ميل واحد..ولقد شهدت جزيرة فيله حضوراً يهودياً كبيراً تقول دائرة المعارف : إنه وصل الى مليونين من اليهود..كما أكتشفت مخطوطات فيلة والتى ترد فى المراجع الأجنبية بإسم مخطوطات الألفنتين من كلمة فيل بالإنجليزية..وهى مخطوطات للكتاب المقدس تثبت صحته وصدق وعدم إمكانية تحريف محتواه..2. وصف الأسوانى الشلال الأول بقوله : إن فى أرض الشلال وما أعلاه جماعة من المسلمين قاطنون لا يفصح أحدهم بالعربية وهى ناحية ضيقة شظفه..كثيرة الجبال وما تخرج عن النيل وقراها منتشرة على شاطئه وشجرها النخل والمقل وأعلاها أوسع من أدناها وفى أعلاها الكروم والنيل لا يروى مزارعها لارتفاع أرضها..وتزرع فدانا أو أثنين أو ثلاثة على أعناق البقر بالدواليب..والقمح عندهم قليل والشعير أكثر والسلت وهم يتعقبون الأرض لضيقها فيزرعونها فى الصيف بعد تطريتها بالزبل والتراب ويزرعون الدخن والذرة "والجاوروس"والسمسم واللوبيا..وفى هذه الناحية مدينة بخراص ( ويقصد بها فرص مدينة المدائن والقلاع والقصور والكنائس ) وسماها مدينة المريس وأبريم ..وقلعة أخرى دونها ولها ميناء تعرف بأدواء ،وربما تكون أدواء هى جبل " أدة " اليوم قرب فرص..وبها بربا عجيب ( والبربا هو هيكل الوثن وفى عهد المسيحية تحولت البرابى الى كنائس لأن البرابى أغلقت بسبب إقبال جماعى من الناس على المسيحية ) ويقول الأسوانى: إن كلمة بربا هى كلمة محلية تدل على المعابد الفرعونية وقد أطلقت بربا على معبد أبى سمبل.. ويستمر الأسوانى فى الحديث ويقول : إن لهذه الناحية والى من قبل عظيم النوبة يعرف بصاحب الجبل من أجل ولائهم لقربه من أرض الإسلام وهو مسئول عن المنطقة ويستقبل التجار المسلمين ويستلم هداياهم إليه أو الى الملك النوبى ويكافئ الهدايا بالرقيق ومن أعماله إنه لا يسمح لأحد الصعود الى ملك دنقلا مسلماً أو غير مسلم.3. أما صاحب الجبل هذا فهو أمير نوباطيا وكان فى منطقة بطن الحجر عند الشلال الثانى وهى منطقة مسلحة والوالى شديد الضبط والتحكم فيها حتى إن عظيمهم إذا جاز بها وقف به المسلمون وأوهم إنه يفتش عليه حتى يجد الطريق الى ولده ووزيره فمن دونهما..وهذه المنطقة لا يجوز فيها دينار ولا درهم إذ كانوا لا يتبايعون بذلك إلا دون الجنادل مع المسلمين وما فوق ذلك فلا بيع منهم ولا شراء ، وإنما هى معارضة متبادلة بالرقيق أو المواشى والجمال والحديد والحبوب.. وكان على صاحب الجبل وهو حاكم الولاية مراقبه كل المسافرين إلى النوبة أشد المراقبة حتى ولو كان المسافر أحد أبناء الملك أو وزيره ( وهذا يعنى إن مداخل النوبة كانت محروسة ومؤمنة بضوابط قوية ).. وكقول الأسوانى : إن كل من خالف ذلك كان جزاؤه القتل كائناً من كان وبهذا الإحتياط تكتم أخبار النوبة حتى إن العسكر منهم يهجرون البلد الى البادية وغيرها فلا يعلمون به.. وهذا يعنى السرية وعدم تسريب المعلومات ويعنى أولا إن سيطرة ملوك النوبة على القبائل وأهل البوادى معتمدة على تحركات سرية فى جيشه المستعد للغزو.. وهذا طبعاً تكنيك حربى قديم.. وكان الوالى صاحب الجبل يرتدى خوذة ملوكية فهو أمير وكانت مزدانة بالقرون والهلال والأجراس وغيرها من رموز سلطته.. وقد كان إستعمال النفوذ منحصرا ً فيما بين بطن الحجر ومصر أما الأرض التى أعلى الشلال الثانى فلم تكن تستعمل النقود ، إنما تبادل السلع.. وذكر الأسوانى ما رآه فى أرض النوبة أعلى الشلال.. وذكر جزيرة "صاى" وذكر إن صاى هى أسقفية ذات شأن ، وأشار إلى أن بها أيضا بربا أى هيكل وثنى قديم.. ولقد تمّ حديثاً فى عام 1970 م.. إكتشاف آثار فرعونية فى صاى..
|